المشهد اليوم - تتجه سوريا والسعودية إلى توسيع التعاون في النقل البري والسككي والخدمات اللوجستية، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز حركة الشاحنات بين البلدين، لتلامس إعادة تشكيل ممرات التجارة والترانزيت بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية ودول الخليج.
ويبرز ملف النقل باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية أمام دمشق لاستعادة دورها كممر تجاري إقليمي، في وقت تمتلك فيه موانئ اللاذقية وطرطوس إمكانية استقبال الشحنات البحرية وإعادة توجيهها براً نحو السعودية ودول الخليج، ما يفتح المجال أمام بناء سلسلة نقل متكاملة تجمع بين النقل البحري والبري والسككي.
وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر مع اقتراب حركة الحاويات والشحن من مستويات عام 2009، في مؤشر على عودة تدريجية للنشاط التجاري واللوجستي عبر الأراضي السورية، بعد سنوات من التراجع الذي أصاب قطاع النقل نتيجة الظروف الأمنية والسياسية التي مرت بها المنطقة.
وتكشف حركة الشاحنات على محور تركيا–سوريا–الأردن–السعودية عن بداية تغير ملموس في حركة الترانزيت؛ إذ ارتفع عدد الشاحنات من نحو 10 شاحنات يومياً إلى قرابة 30 شاحنة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 100 شاحنة يومياً خلال الفترة المقبلة.
ويمثل هذا الارتفاع أكثر من مجرد زيادة في أعداد الشاحنات؛ فهو يعني زيادة الطلب على خدمات التخليص الجمركي، والتخزين، والصيانة، والوقود، والتأمين، والمناولة، والخدمات اللوجستية، ما يخلق سلسلة من الأنشطة الاقتصادية على امتداد الطريق.
وبالنسبة للأردن، فإن استمرار نمو هذا المحور يمكن أن يعزز أهمية معبر جابر–نصيب كمركز رئيسي لحركة التجارة البرية بين شمال المنطقة وجنوبها، ويمنح قطاع النقل والشحن الأردني فرصة للاستفادة من زيادة حركة الترانزيت.
في المقابل، يبرز خيار التنف–الوليد–عرعر عبر العراق باعتباره مساراً بديلاً يمكن أن يخفف الضغط عن معبر نصيب، ويوفر خيارات إضافية أمام حركة الشحن المتجهة إلى السعودية.
ومن منظور اقتصادي، فإن تعدد الممرات التجارية لا يعني بالضرورة تراجع أهمية أحدها، بل يمكن أن يؤدي إلى رفع كفاءة شبكة النقل الإقليمية من خلال توزيع حركة الشاحنات وتقليل فترات الانتظار وتحسين مرونة سلاسل الإمداد.
كما أن وجود أكثر من مسار يرفع قدرة شركات النقل على اختيار الطريق الأقل تكلفة والأسرع زمنياً، وهو عامل حاسم في تحديد تنافسية أي ممر تجاري.
ويبرز ملف التأشيرات متعددة السفرات للسائقين كأحد العوامل العملية التي يمكن أن تؤثر مباشرة في كفاءة حركة النقل.
فالسائق الذي يستطيع عبور الحدود بشكل متكرر وبإجراءات أكثر سرعة ومرونة يختصر وقت الانتظار ويزيد عدد الرحلات الممكن تنفيذها، ما ينعكس في النهاية على تكلفة نقل البضائع وأسعارها وقدرة الشركات على المنافسة.
ومن المقرر بحث تسريع منح هذه التأشيرات خلال زيارة وزير النقل السعودي إلى دمشق نهاية الشهر الجاري، الأمر الذي قد يشكل خطوة مهمة لتسهيل حركة الناقلين بين البلدين.
لكن التحول الأهم على المدى الطويل يتمثل في بحث دراسة جدوى رباعية سورية–سعودية–تركية–أردنية لإنشاء مسار سككي متكامل.
وإذا انتقل هذا المشروع من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ، فإنه قد يغير طبيعة التجارة البرية في المنطقة، إذ تتمتع السكك الحديدية بقدرة أكبر على نقل كميات ضخمة من البضائع لمسافات طويلة، وبكفاءة أعلى في بعض أنواع الشحن مقارنة بالنقل بالشاحنات.
كما يمكن أن يربط المشروع بين الموانئ السورية والأسواق التركية والأردنية والسعودية، وصولاً إلى الخليج، بما يحول المنطقة إلى شبكة مترابطة بدلاً من ممرات منفصلة.
وتحمل هذه التطورات أهمية خاصة للأردن، الذي يقع جغرافياً في قلب عدد من الممرات التجارية المحتملة.
فزيادة حركة الترانزيت عبر المملكة تعني إيرادات إضافية من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، إلى جانب زيادة الطلب على شركات النقل والمستودعات ومراكز الصيانة والوقود والخدمات الجمركية.
كما يمكن أن تستفيد المناطق القريبة من المعابر الحدودية من توسع النشاط الاقتصادي، خصوصاً إذا ترافق نمو حركة الشاحنات مع تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
المنافسة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون بين نصيب والتنـف فقط، وإنما بين الممرات الإقليمية على جذب التجارة من خلال معيار واضح: الأسرع، والأقل تكلفة، والأكثر أماناً وكفاءة.
ومن هنا، فإن توسيع الحركة عبر نصيب يمكن أن يوفر حلاً سريعاً وقريباً، فيما يمثل محور التنف–الوليد–عرعر خياراً استراتيجياً لتنويع طرق التجارة، بينما يبقى الربط السككي هو المشروع القادر، في حال تنفيذه، على إحداث تحول طويل الأمد في خريطة النقل الإقليمي.
وتبدو الأولوية الاقتصادية في المرحلة الحالية قائمة على تفعيل جميع المسارات بالتوازي، لأن تعدد الخيارات ورفع كفاءة المعابر والموانئ والسكك الحديدية سيعزز تنافسية المنطقة ككل، ويمنح سوريا والأردن والسعودية وتركيا فرصة لبناء شبكة ترانزيت إقليمية أكثر تكاملاً.
المصدر وكالة الانباء السورية