عاجل

بين الاستيطان في الضفة والإبادة في غزة... ماذا يحدث في القدس؟

بين الاستيطان في الضفة  والإبادة في غزة... ماذا يحدث في القدس؟

بين الاستيطان في الضفة والإبادة في غزة... ماذا يحدث في القدس؟

المشهد اليوم - حسين الديك

تحت عنوان الوصاية الهاشمية ليست منحةً بل هي حق تاريخي أصيل للهاشميين منذ عام 1924
أشار تقرير موسع للكاتب الفلسطيني حسين الديك نشره "موقع رصيف٢٢" اليوم ما صرح به المستشار الإعلامي لمحافظة القدس معروف الرفاعي وعدد من الشخصيات الفلسطينية في فلسطين عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مشيرين إلى أن الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية تبرز كإحدى المسلّمات الأساسية التي يتم انتهاكها من خلال اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والأماكن المقدسة.

فمن الناحية التاريخية، إدارة الأوقاف في القدس تتبع مباشرةً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الأردنية ، سلطات الاحتلال أفرغت الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية من مضمونها وقلّصت صلاحيات الأوقاف بشكل كبير جداً، وعلى الحكومة الأردنية استخدام أوراق الضغط لإعادة تفعيل هذه الوصاية المكفولة أممياً منذ العام 1924.

في السياق، يؤكد أنّ الوصاية الهاشمية ليست منحةً بل هي حق تاريخي أصيل للهاشميين منذ عام 1924، وجاءت المادة التاسعة من اتفاقية وادي عربة عام 1994 لتؤكد وتعترف بهذا الدور الخاص للأردن في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وعليه، ما يجري في الأقصى خطير جداً لأنّ إسرائيل لا تستهدف المسجد فحسب، بل تستهدف أيضاً تفكيك أي مرجعية عربية أو إسلامية أو دولية للقدس، لتنفرد بالقرار فيها.
التقرير كاملا..

تعُد الاقتحامات المتواصلة من قبل المستوطنين للمسجد الأقصى في العام 2026، تقتصر على الزيارة فقط، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة إعادة تعريف العلاقة ما بين المقتحمين والمسجد.

فمن خلال أداء طقوس وصلوات وشعائر دينية منها السجود الملحمي وإدخال القرابين النباتية، تم تخطّي ما كان سائداً تقليدياً في السنوات الماضية.
خلال الأيام الأخيرة من عيد العرش، اتضح أنّ هذه الاقتحامات ليست منفصلةً أو تصرفات فرديةً، بل هي جزء من مسار تراكمي وممنهج يهدف إلى تغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني في المسجد الأقصى. ترافق ذلك مع مسار سياسي قانوني، فإسرائيل تدعم حكومياً تلك الاقتحامات، وتزامن ذلك مع التوجه إلى المحكمة العليا لإصدار قرار لتشريع الاقتحامات أيام السبت، وتجاوز "الستاتيكو" التقليدي الذي ساد منذ العام 1967، والذي يسمح للمسلمين بالصلاة وأداء الشعائر الدينية، ولليهود وغير المسلمين بالزيارة فقط.
على مدار أسبوع كامل، تواصلت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى بحماية مشدّدة من شرطة الاحتلال بمناسبة "عيد العرش" اليهودي، الذي يُعدّ أحد أعياد "الحج الثلاثة" لدى اليهود، وترتبط طقوسه بما يسمّى "الحج إلى الهيكل"، وهو ما تستند إليه جماعات ومنظمات إسرائيلية لتنظيم تلك الاقتحامات خلال فترة العيد لأداء طقوس دينية داخله.

وفقاً لصحيفة هآرتس الإسرائيلية، اقتحم أكثر من ألف يهودي في 27 أيلول/ سبتمبر 2026، المسجد الأقصى بمناسبة عيد العرش (سوكوت)، وقاموا بأداء صلوات جماعية وطقوس تلمودية وأدخلوا القرابين النباتية إلى ساحات الاقصى. وأمرت الشرطة عشرات من أصحاب المحال التجارية الفلسطينيين في سوق القطانين في البلدة القديمة في القدس، بإغلاق متاجرهم طوال فترة العيد للسماح لليهود بأداء الصلاة.

وقال أحد التجار: "إذا لم نغلق، فستكون هناك فوضى عارمة. مصلحة الضرائب، وزارة الصحة، ضرائب العقارات، التقارير، والبلدية، لا تخبرك بهذا، لكن الجميع يفهم"، وتمّ إغلاق جميع المحال التجارية في سوق القطانين.
في الوقت ذاته، سُمح للمستوطنين بالدخول وحرية الحركة من خلال تلك الاقتحامات، وأداء طقوس دينية شملت السجود الجماعي وارتداء "التفلين"(صناديق صلاة يهودية) ورفع الأعلام وترديد الترانيم وتنظيم رقصات جماعية، بالإضافة إلى قيام حاخامين بعرض أحجار أحضراها من مستوطنة "حفات غلعاد"، بزعم استخدامها في بناء "الهيكل"، في ترويج واضح وصريح لمخطط بناء الهيكل على حساب المسجد الأقصى.

ويصف المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي، ما يجري في الأقصى بأنّه تقويض يومي للوضع القائم وانقلاب عليه من خلال ثلاثة مسارات رئيسية؛ التكثيف الكمّي، التغيير النوعي، والتقسيم الزماني والمكاني الفعلي.

وبحسب الرفاعي، فإنّ أعداد المقتحمين ارتفعت من بضع مئات سنوياً قبل عام 2003، إلى أكثر من 70 ألف مقتحم خلال العام الماضي، مع إدخال الاقتحامات في الأعياد اليهودية كطقس ثابت.
ومن حيث التغيير النوعي، يقول الرفاعي إن الزيارة لم تعد مجرد زيارة، بل صلوات تلمودية علنية، بجانب سجود ملحمي، نفخ بالبوق، إدخال القرابين النباتية، ورفع العلم، ويحدث هذا بحماية شرطة الاحتلال ومشاركة وزراء وأعضاء في الكنيست.

ويوضح أنّ التقسيم الزماني والمكاني الفعلي، شمل إفراغ المسجد من المصلّين والمرابطين والاعتداء عليهم، وتحديد ساعات طويلة للمقتحمين، والعمل على فرض مسارات ومساحات صلاة ثابتة في الجهة الشرقية.

بينما تقول عضو هيئة العمل الأهلي والوطني في القدس، رتيبة النتشة، في حديثها إلى رصيف22: "من الواضح جداً أنّ هذه الحكومة تقوم بتطبيق التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، مشيرةً إلى اتساع ساحات الاقتحام وساعاته تحت حجج ومبررات الزيارة وغيرها، وأصبحت الاقتحامات تمارس فيها طقوس دينية بعد أن كانت تحت مبررات الزيارة والسياحية فقط".

واليوم، بحسب ما تضيف، أصبح هناك سماح بإدخال الكتب الدينية وأداء الصلوات والرقصات داخل ساحات الأقصى، بالإضافة إلى القرارات القضائية والتسهيلات التي أتاحت ممارسة السجود الملحمي وإدخال القرابين النباتية في عيد العرش، وهذا مقدمة ليس فقط للتقسيم الزماني والمكاني بل للوعد الذي قطعه رئيس حزب الصهيونية الدينية بالسيطرة الكاملة على المسجد الأقصى المبارك.

وتشير إلى أن ذلك بدأ من خلال قانون بن غفير الذي عرّف ساحات الأقصى بأنها ساحات عامة وأدخل إليها قوات الشرطة، ومؤخراً دعا إلى تشكيل قوة لحراسة جبل الهيكل محفّزاً المتصهينين للمشاركة في هذه القوة (من حزب الصهيونية الدينية) للتقدم والتطوع في هذه الوحدات.

طقس جديد داخل "الأقصى"
تميّزت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى هذا العام، بإدخال ما يُعرف بـ"القربان النباتي" بالتزامن مع اليوم الأول من "عيد العرش". ويتكون هذا القربان من أربعة أصناف من النباتات هي "الأترج، وسعف النخيل، وورد الآس، والصفصاف". وتُجمع هذه الأصناف معاً ضمن طقس ديني يُعرف بـ"الأصناف الأربعة" في محاولة لفرض إدخال الطقوس الدينية إلى المسجد بصورة علنية، في توظيف استعماري للطقوس الدينية لفرض هيمنة وهوية يهودية في المسجد الأقصى.

الدكتور امجد شهاب يقول : انتقل المستوطنون من مرحلة الاقتحام إلى الطقوس الدينية داخل المسجد الأقصى للوصول إلى فرض واقع ديني جديد".
"إدخال هذه القرابين يمثّل محاولةً لفرض وقائع جديدة بطريقة ممنهجة من خلال توظيف الصلاة والترانيم والسجود الملحمي لأغراض سياسية، أي الانتقال من مجرد زيارة سياحية إلى ممارسة دينية داخل باحات المسجد، ومن ثم إضفاء البعد السياسي عليها"، يقول أستاذ العلوم السياسية والقانون العام .

وهذا المسار، بحسب الدكتور شهاب، قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، أي استغلال الأعياد الدينية لفرض السيادة والانتقال من التقسيم الزماني إلى المكاني كما هو الحال في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

ويفيد شهاب بأنهم انتقلوا من مرحلة الاقتحام إلى الطقوس الدينية داخل المسجد الأقصى للوصول إلى فرض واقع ديني جديد يجب تقبله كواقع سياسي أيضاً.

من جهته، يعتبر المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي هذا التوجه خطيراً جداً، لأنه ينقل المعركة من الميدان السياسي والأمني إلى ساحة القضاء الإسرائيلي لشرعنة الاقتحام، فهذه الجماعات تريد أن تحوّل الاقتحام من فعل استفزازي تسمح به حكومة متطرفة، إلى "حق قانوني" يكرّسه قرار قضائي ملزم للشرطة.

وفقاً لقوله، التوجه إلى المحكمة له دلالات عديدة منها نزع الولاية عن الأوقاف لأنّ المحكمة الإسرائيلية لا تملك أي ولاية قضائية على المسجد الأقصى حسب القانون الدولي، فهو أرض محتلة، ولجوء المستوطنين إليها يُعدّ بحد ذاته محاولةً لفرض السيادة القضائية الإسرائيلية على المسجد، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة من خلال انتزاع حكم يقول إنّ الصلاة اليهودية في الأقصى حق دستوري.

ويرى الرفاعي أنّ ذلك إلغاء كامل لصلاحيات الأوقاف الإسلامية كجهة إدارية وحيدة، وأنّ شرعنة التقسيم بأي قرار من هذا النوع سيُستخدم كأساس قانوني لفرض التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى.

أما الباحث في شؤون القدس، فخري أبو دياب، فيرى أنّ التوجه إلى المحكمة يأتي لقطع الطريق أمام أي حكومة قادمة، لمنع أو تقنين دخول المستوطنين إلى المسجد الأقصى باعتبار أنّ هذا الدخول أصبح حقاً قانونياً صادراً عن المحكمة المختصة ولا يحق للحكومة والشرطة التدخل فيه.

منظمة التعاون الإسلامي شدّدت على أنّ تلك الاقتحامات تشكّل استفزازاً لمشاعر المسلمين في شتى بقاع الأرض، مؤكدةً في الوقت ذاته على أنّ إسرائيل كقوة احتلال لا تملك أي سيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، وأنّ الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع القانوني والجغرافي والديني باطلة بموجب القانون الدولي.

من جانب آخر، أدانت كلّ من السعودية وقطر والأردن والكويت، اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، برفقة مئات المستوطنين، باحات الأقصى، وحذّرت من تداعيات تلك الاستفزازات والانتهاكات الإسرائيلية، مشددةً على ضرورة توحيد الجهود العربية والدولية لوقفها.

نصرة المقدسات ليست أولويةً
يبدو أنّ الغياب الفلسطيني الرسمي يسيطر على المشهد. "للأسف المؤسسات الرسمية لا تقوم بدورها في دعم القدس سواء في ذلك المؤسسة الرسمية الفلسطينية أو المؤسسات الرسمية العربية والإسلامية، فنصرة المقدسات وحمايتها ليست على أولوياتها"، يقول أبو دياب.

ففي العادة، وفق قوله، يحاول الاحتلال جسّ نبض الشارع ونبض المنطقة ويطلق بالونات اختبار ويقيّم ردات الفعل المحلية والإقليمية قبل القيام بأي مشروع استيطاني أو تهويدي في القدس. وذلك لأنه يخشى ردة الفعل الجماهيرية والشعبية، فهذا ما حصل في العام 2017 عندما حاول الاحتلال فرض إجراءات تهويدية في المسجد الأقصى بنصب البوابات الإلكترونية والكاميرات في محاولة خبيثة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم. يومها هبّت الجماهير المقدسية في ما عُرف بـ"هبّة باب الأسباط"، وتحدّت الاحتلال لأيام طويلة وأفشلت مخططه.

من هنا، فإنّ صمّام الأمان للحفاظ على المقدسات من مشاريع الاحتلال، هو التواجد والتوافد الدائم إلى المسجد الأقصى وشدّ الرحال والرباط فيه. فهذا يربك مخططات الاحتلال ويقف سدّاً منيعاً أمام تنفيذها، لا ردات الفعل الآنية والعاطفية.

ويشدد أبو دياب على وضع إستراتيجيات لدعم صمود المقدسيين ورباطهم، خاصةً أنّ المسجد الأقصى هو هوية القدس وهوية المنطقة بشكل عام، وهو الهوية التي يسعى الاحتلال إلى محوها وتغييرها.

المستشار الإعلامي لمحافظة القدس معروف الرفاعي

الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس

تبرز الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية كإحدى المسلّمات الأساسية التي يتم انتهاكها من خلال تلك الاقتحامات. فمن الناحية التاريخية، إدارة الأوقاف في القدس تتبع مباشرةً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الأردنية ، سلطات الاحتلال أفرغت الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية من مضمونها وقلّصت صلاحيات الأوقاف بشكل كبير جداً، وعلى الحكومة الأردنية استخدام أوراق الضغط لإعادة تفعيل هذه الوصاية المكفولة أممياً منذ العام 1924.
في السياق، يؤكد أنّ الوصاية الهاشمية ليست منحةً بل هي حق تاريخي أصيل للهاشميين منذ عام 1924، وجاءت المادة التاسعة من اتفاقية وادي عربة عام 1994 لتؤكد وتعترف بهذا الدور الخاص للأردن في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وعليه، ما يجري في الأقصى خطير جداً لأنّ إسرائيل لا تستهدف المسجد فحسب، بل تستهدف أيضاً تفكيك أي مرجعية عربية أو إسلامية أو دولية للقدس، لتنفرد بالقرار فيها.

وما تقوم به إسرائيل اليوم، هو خرق مزدوج لاتفاقية دولية. فالمادة التاسعة تنصّ على احترام إسرائيل للدور الحالي للمملكة الأردنية في الأماكن المقدسة، والسماح باقتحامات وزراء وبطقوس يهودية داخل المسجد، حسب الرفاعي، نسف عملي لهذا الالتزام، وخرق للوضع القائم الذي يُعدّ الأردن ضامناً له، والوصاية الهاشمية هي الضامن السياسي والقانوني والإداري للوضع القائم، بمعنى أنّ أي محاولة لفرض سيادة إسرائيلية قضائية أو دينية على الأقصى هي اعتداء مباشر على الوصاية.

في السياق ذاته، يشير أبو دياب إلى أنّ سلطات الاحتلال أفرغت الوصاية الأردنية من مضمونها وقلّصت صلاحيات الأوقاف بشكل كبير جداً، وعلى الحكومة الأردنية استخدام أوراق الضغط لإعادة تفعيل هذه الوصاية المكفولة أممياً منذ العام 1924، وقد أعيد التأكيد عليها في المادة التاسعة من اتفاقية وادي عربة.

أما النتشة، فتقول إنّ الوصاية على الأماكن المقدسة هي للمملكة الأردنية الهاشمية، وإسرائيل لم تعد تحترم هذه الاتفاقيات مع الأردن وأخذت تتمادى في إبعاد الحرّاس والموظفين والاعتداء عليهم والتعدّي على صلاحيات الأوقاف بشكل واسع جداً.

وتختم النتشة حديثها بأنه على الرغم من تلك الاعتداءات والمضايقات فإنّ حجم التحرك الأردني ضعيف جداً. أما التحرك الفلسطيني الذي يكون من خلال المبايعة للوصاية الهاشمية، فيندرج ضمن تنسيق الجهود المشتركة بين الجانبين، والتي ما زالت ضعيفةً جداً وبحاجة إلى تفعيل من خلال منظمة التعاون الإسلامي التي تأسست لحماية المسجد الأقصى بعد الحريق الذي قام به يهودي أسترالي في العام 1969.

وبرأيها، نعم يوجد تقصير واضح وصمت مريب ليس فقط فلسطينياً وأردنياً، وإنما إسلامياً أيضاً تجاه الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى.

وعليه، لا بدّ من تحرك شامل لإعادة الاعتبار للوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى قبل فوات الأوان.