المشهد اليوم - ماهر حسن شاويش
كنت أبحث عمّا أقرأه، وأفتش عن عناوين كتب ودراسات أو أية إصدارات ناقشت أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وليس ذلك بحثاً عن توصيف جديد للأزمة بقدر ما كنت أبحث عن أفكار طرحت حلولاً ومخارج لها، وبينما أتتبع تلك العناوين وقع نظري على كتاب للمفكر عبد الإله بلقزيز بعنوان: «أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من فتح إلى حماس».
توقفت عند العنوان لحظات، قلت في نفسي: ربما يكفي هذا العنوان وحده ليعبّر عن شيء عميق في أزمتنا، فالكتاب صدر عام 2006، أي إن ما نبحث اليوم عن تفسير له ومخرج منه كان مطروحاً للنقاش قبل عشرين عاماً.
عقدان من أعمارنا ومعاناتنا ودمنا وألمنا وتضحيات شعبنا، ثم نعود لنبحث في الحلقة ذاتها، وهذا بالطبع بعد نحو ثلاثة أضعاف هذه المدة كانت قد سبقت إصدار هذا الكتاب، إذ نقترب الآن من ثمانية عقود على نكبتنا.
انتقل الفلسطيني خلالها من النكبة إلى اللجوء، ومن المخيم إلى الثورة، ومن منظمة التحرير إلى السلطة، ومن الانتفاضة إلى المفاوضات، ومن المفاوضات إلى الانقسام، ومن الحصار إلى الحرب، في حين بقي السؤال، بأشكال مختلفة، حاضراً: كيف يتحول الحق الفلسطيني، بعد كل هذه التضحيات، إلى مشروع وطني قادر على تحقيق أهدافه؟
في الإقليم، كانت القضية الفلسطينية تتراجع على سلم الأولويات، بينما تتشكل علاقات وتحالفات جديدة لا تبدو فلسطين شرطاً لقيامها، بل إن بعضها يقوم على التنكر لها، قطار التطبيع نموذجاً، وفي هذا السياق وقع السابع من أكتوبر.
أين كنا؟
عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن المشروع الوطني الفلسطيني يسير نحو غايته ثم جاءت الحرب فقط لتوقفه، كنا أصلاً أمام انسداد عميق في أفق القضية الفلسطينية.
غزة تحت الحصار وتحكمها حماس، والسلطة الفلسطينية تدير أجزاء من الضفة، والانقسام الذي بدأ عام 2007 تحول من حالة استثنائية إلى واقع يكاد يبدو دائماً، ومنظمة التحرير فقدت كثيراً من قدرتها على أن تكون الإطار الجامع للفلسطينيين، ومسار أوسلو، الذي كان يفترض أن يكون انتقالياً، أصبح واقعاً ممتداً بلا دولة، في حين استمر الاستيطان في تغيير الجغرافيا.
وفي الإقليم، كانت القضية الفلسطينية تتراجع على سلم الأولويات، بينما تتشكل علاقات وتحالفات جديدة لا تبدو فلسطين شرطاً لقيامها، بل إن بعضها يقوم على التنكر لها، قطار التطبيع نموذجاً، وفي هذا السياق وقع السابع من أكتوبر.
ولذلك فإن اختزال ما حدث منذ ذلك اليوم في سؤال: هل نحن مع السابع من أكتوبر أم ضده؟ لا يكفي لفهمه، بل الأجدى أن نسأل: ما الذي أوصلنا إليه؟ ماذا كان الهدف السياسي منه؟ ماذا حقق؟ ماذا خسرنا؟ وما المسافة بين ما أُريد له وما انتهينا إليه؟
فالحق في مقاومة الاحتلال شيء، والقدرة على تحويل المقاومة إلى إنجاز سياسي شيء آخر، وعدالة القضية لا تعني بالضرورة صوابية كل قرار يتخذ باسمها.
أين صرنا؟
بعد ثلاث سنوات، لا يمكن إنكار أن السابع من أكتوبر أعاد فلسطين بقوة إلى مركز الاهتمام العالمي، وكسر الاعتقاد بأن القضية يمكن تجاوزها في حين يستمر الاحتلال والاستيطان والحصار، لكن الثمن كان هائلاً.
غزة التي عرفناها قبل السابع من أكتوبر لم تعد هي غزة التي نراها اليوم، عشرات الآلاف من الضحايا، عائلات فقدت أبناءها، وعائلات أخرى شُطبت بكاملها، أحياء مدمرة، ونزوح واسع، وبنية تحتية ومجتمع سيحتاجان إلى سنوات طويلة للتعافي.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: فلسطين أصبحت أكثر حضوراً في العالم، لكن المشروع الوطني الفلسطيني لم يصبح أكثر حضوراً بين أبنائه، بل بات بعضهم يسأل بمرارة: أين هو؟ وهذا ربما يكون أهم ما ينبغي التفكير فيه عشية الذكرى الثالثة.
فعودة القضية إلى العالم ليست هي ذاتها، وبالزخم ذاته، في امتلاك مشروع قادر على استثمار هذه العودة، والتعاطف الدولي، والاعترافات بالدولة الفلسطينية، واتساع الاعتراض على سياسات إسرائيل، لا شك كلها تحولات مهمة، لكنها لا تعوض غياب مؤسسة فلسطينية جامعة قادرة على تحويلها إلى مسار سياسي متراكم ينجز أهدافاً واضحة ومحددة على طريق الاستقلال وتقرير المصير.
وهنا عدت إلى عنوان بلقزيز: «من فتح إلى حماس»، وقلت: تُرى، بعد عشرين عاماً، هل ما زال سؤالنا فعلاً: فتح أم حماس؟ أم أن بقاء السؤال بهذه الصيغة هو نفسه جزء من الأزمة؟ ولعل الجواب باختصار: لا فتح وحدها ولا حماس وحدها.
تجربة فتح والسلطة تحتاج إلى مراجعة لا مجاملة فيها: ماذا بقي من مشروع التحرر حين تحولت إدارة الحياة تحت الاحتلال إلى وظيفة يومية؟ ماذا فعل غياب الانتخابات والمحاسبة بالمؤسسات الفلسطينية؟ وكيف تحول المؤقت في أوسلو إلى واقع دائم؟
لكن فشل هذه التجربة لا يجعل التجربة المقابلة ناجحة تلقائياً، ومن حق الفلسطيني أيضاً أن يسأل حماس: ما الرؤية السياسية التي حكمت قرار السابع من أكتوبر؟ ما تعريف النصر؟ وما العلاقة بين العمل العسكري والهدف السياسي؟ وكيف يُتخذ قرار بهذا الحجم في غياب مؤسسة وطنية جامعة؟
هذه الأسئلة ليست تخويناً للمقاومة، كما أن نقد السلطة ليس تخويناً لفكرة الدولة، إنها أسئلة السياسة والمسؤولية، فالقيادة لا تُحاسب فقط على صدق نيّاتها أو عدالة قضيتها، بل على قدرتها على قراءة موازين القوى، وحساب الأثمان، وربط الوسائل بالغايات.
لقد دفع الفلسطينيون ما يكفي من أثمان كي يكون لهم الحق في أكثر من الاختيار بين مفاوضات بلا أفق وحرب بلا أفق، وبعد ما يقارب ثمانين عاماً من النكبة، لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل بنا التاريخ؟
إلى أين نمضي؟
بعد ثمانية عقود تقريباً، ربما آن لنا أن ندرك أن الأزمة لن تُحل باستبدال تنظيم بتنظيم، ولا بالانتقال من البندقية إلى المفاوضات ثم العودة إلى البندقية مرة أخرى.
ما نحتاج إليه هو إعادة بناء السياسة الفلسطينية نفسها: منظمة تحرير تمثل الفلسطينيين فعلاً، ومؤسسات تتجدد بالانتخابات والمحاسبة، وإنهاء الانقسام، وبرنامج وطني يحدد الهدف ويجمع أدوات المقاومة بكل أشكالها والسياسة والدبلوماسية والقانون ضمن استراتيجية وطنية واحدة وتحت قيادة موحدة.
فالسؤال ليس فقط: من يمثلنا؟ فتح أم حماس؟ أو حتى غيرهما؟ بل السؤال الأهم: من يمثل الفلسطينيين، وبأي شرعية، ولأي مشروع وطني؟
حين وقعت عيناي على كتاب صدر قبل عشرين عاماً بعنوان «أزمة المشروع الوطني الفلسطيني»، كنت أبحث عن مادة للقراءة، لكنني وجدت نفسي أمام سؤال أكثر إزعاجاً: كيف يمكن لعنوان عمره عشرون عاماً أن يبدو وكأنه كُتب هذا اليوم؟
وإجابتي المقتضبة: ربما كنا بارعين في الصمود والتضحية، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في تحويلهما إلى تراكم سياسي لا يبدأ من الصفر مع كل جيل.
وعشية الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، لعلنا لا نحتاج إلى شعار جديد بقدر حاجتنا إلى شجاعة المراجعة: أن ننتقد من دون أن نخوّن، ونتمسك بحقوقنا من دون أن نقدّس خيارات البشر الذين يديرونها، ونعترف بالأثمان من دون أن نتنازل عن الحقوق والعدالة.
لقد دفع الفلسطينيون ما يكفي من أثمان كي يكون لهم الحق في أكثر من الاختيار بين مفاوضات بلا أفق وحرب بلا أفق، وبعد ما يقارب ثمانين عاماً من النكبة، لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل بنا التاريخ؟
بل: ماذا تعلمنا من كل هذا التاريخ، وإلى أين نريد أن نمضي؟

