نظّم ملتقى السرد العربي في المكتبة الوطنية، ندوة حول «الرواية التاريخية»، ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الأربعين، التي تقام تحت شعار «إرث يمتد.. أجيال تلتقي».
وتحدث المشاركون في الندوة، التي قدمها الدكتور محمد السماعنة، عن العلاقة بين كتابة التاريخ والسرد التاريخي، مؤكدين أهمية السرد التاريخي في نقل الأحداث بتفاصيلها وتصوراتها ومشاهداتها، بصورة تتجاوز الكتابة التاريخية المجردة.
وقالت الروائية الإماراتية ناديا النجار، عبر الاتصال عن بُعد، إن العلاقة بين الرواية والتاريخ وطيدة، إلا أن هناك اختلافاً بينهما، إذ تستعرض الرواية الحياة اليومية بتفاصيلها، في حين يركز المؤرخون على الكتابة التاريخية من حيث الأعمال والمجريات والتوقيتات، دون التوسع في المشاعر والجوانب الإنسانية والمتاعب والآلام وغيرها.
وأوضحت أنها تزور الأماكن القديمة في دبي، مسقط رأسها، وتشاهد التاريخ في عمران البيوت والأزقة والأحياء القديمة، وتحاول استحضار معاناة الأجداد الذين سكنوا فيها، ومتابعة حياتهم ومعيشتهم وقصصهم اليومية التي لا يتناولها التأريخ كما تتناولها الرواية التاريخية.
واستشهدت الروائية النجار بحادثة غرق سفينة في ستينيات القرن الماضي، ذهب العشرات ضحية لها، مشيرة إلى أن الرواية التاريخية تستحضر المعاناة والمشاعر المرتبطة بالأحداث، بصورة لا تقدمها الكتابة التاريخية المجردة.
من جهته، تحدث الدكتور عمر العامري عن «تجليات التخييل التاريخي وآليات إنتاج المعنى في رواية "القرمية" للروائية سميحة خريس»، مبيناً أن الرواية لا تستدعي الماضي باعتباره متناً حكائياً ومادة تاريخية جامدة، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل ضمن رؤى تأويلية سردية، لتصبح أداة من أدوات فهم السلوك البشري.
وقال إن العلاقة بين التاريخ والرواية تقوم على جدلية التلاقي والافتراق، فإذا كان التاريخ يستند إلى الوقائع والوثائق في سعيه إلى تفسير الماضي، فإن الرواية تعتمد التخييل الفني وسيلة لإعادة بناء الماضي وفق رؤية فنية وجمالية يرتئيها الكاتب.
وأضاف أن من هذا التفاعل نشأ مفهوم «التخييل التاريخي»، الذي أتاح للرواية المعاصرة تجاوز الوظيفة التوثيقية التقليدية، ومكّنها من تحويل التاريخ من حدث ماضٍ إلى قيمة جمالية معرفية متحركة، يمكن إعادة قراءتها وتأويلها وتحميلها معاني جديدة تتجاوز حدود الحدث المجرد.
وأشار إلى أن التخييل التاريخي ينسجم مع رؤية الأديب العالمي «لوكاش» ومفهومه لجوهر الرواية التاريخية، إذ يرى أن ما يهم الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ الشعوري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، واستحضار الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي قادتهم إلى التفكير والشعور والتصرف بالطريقة التي فعلوا بها.