المشهد اليوم - في العقبة، لم يعد الاستثمار في الشباب يقتصر على التدريب التقليدي أو تأهيل الباحثين عن عمل، بل يتجه نحو بناء منظومة متكاملة تربط التدريب باحتياجات السوق، والشباب بالقطاع الخاص، والمهارات بفرص التشغيل، في مسار يعكس تحولاً في مفهوم تمكين الشباب ودورهم في التنمية الاقتصادية.
وتبرز سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة نموذجاً في هذا الاتجاه، من خلال برامج تدريبية وتشغيلية وشراكات مع القطاع الخاص، تستهدف قطاعات تشهد نمواً متسارعاً في المدينة، وفي مقدمتها السياحة والضيافة والخدمات اللوجستية والاقتصادان الأخضر والأزرق، إلى جانب التكنولوجيا والابتكار.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتحول فيه العقبة إلى بيئة اقتصادية أكثر تنوعاً، ما يفرض تحدياً يتمثل في ضمان توفر الكفاءات الأردنية القادرة على مواكبة هذا النمو، وتحويل التوسع الاقتصادي إلى فرص عمل مستدامة للشباب.
وتتمثل المعادلة الأهم في برامج تمكين الشباب بالانتقال من مفهوم «التدريب من أجل التدريب» إلى التدريب الذي ينتهي بمهارة مطلوبة وفرصة عمل محتملة، من خلال ربط البرامج التدريبية باحتياجات القطاعات الاقتصادية الفعلية.
وتعمل السلطة على تطوير برامج التدريب والتأهيل المهني وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وفتح مسارات عملية أمام الشباب للانتقال من مرحلة التدريب إلى التشغيل، بما يرفع جاهزيتهم ويلبي احتياجات سوق العمل.
ومن أبرز هذه البرامج برنامج التدريب في بيئة العمل، الذي يستهدف في مرحلته الأولى 600 متدرب، إضافة إلى 200 متدرب في المرحلة الثانية، بما يوفر تدريباً عملياً داخل مواقع العمل ويمنح الشباب فرصة لاكتساب الخبرات والمهارات المطلوبة قبل دخولهم سوق العمل.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن المتدرب لا يكتسب معرفة نظرية فقط، وإنما يتعرف إلى طبيعة الوظيفة وبيئة العمل ومتطلباتها، وهو ما يقلل الفجوة بين ما يتعلمه الشاب وما يطلبه صاحب العمل.
وتشير مؤشرات العمل المنشورة إلى أن الشراكات التي نفذتها السلطة مع عشرات الشركات والمؤسسات لتوفير فرص تدريبية منتهية بالتشغيل أسهمت في توظيف 472 شاباً وشابة، مع استهداف الوصول إلى 600 فرصة عمل في المرحلة الأولى.
كما وقعت السلطة مؤخراً تسع اتفاقيات ومذكرات تعاون مع شركات ومؤسسات من القطاع الخاص لتوفير 400 فرصة تدريبية للشباب الباحثين عن عمل في العقبة ضمن برنامج التدريب في بيئة العمل.
وتحمل هذه الأرقام دلالة تتجاوز حجم المستفيدين، إذ تعكس محاولة بناء نموذج يقوم على إشراك القطاع الخاص في إعداد الكفاءات التي يحتاجها، بدلاً من بقاء التدريب منفصلاً عن متطلبات أصحاب العمل.
بنك بيانات الشباب.. من حصر الأسماء إلى قراءة سوق العمل
ومن بين المبادرات اللافتة تطبيق بنك بيانات الشباب، الذي يمثل اتجاهاً نحو استخدام البيانات في رسم سياسات التدريب والتشغيل.
ولا يقتصر التطبيق على إنشاء قاعدة بيانات للشباب، وإنما يهدف إلى بناء قاعدة تفاعلية تتضمن المهارات والخبرات والاهتمامات والطموحات، بما يتيح التشبيك بين الشباب والجهات الباحثة عن الكفاءات.
وتكمن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة في إمكانية الانتقال من البرامج العامة إلى برامج أكثر دقة تستند إلى معلومات فعلية عن المهارات المتوفرة والمهارات المطلوبة، الأمر الذي قد يساعد على تقليل الهدر في التدريب وتوجيه الموارد نحو التخصصات والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد المحلي.
ولا تقتصر منظومة التمكين على التدريب العملي، إذ يستهدف برنامج التوجيه والإرشاد والمتابعة نحو 3000 شخص، من خلال برامج توعوية لطلبة الجامعات لتعريفهم بالتخصصات والمهارات الأكاديمية والمهنية المطلوبة في سوق العمل المحلي والإقليمي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ظل التغير السريع في طبيعة الوظائف، إذ لم يعد الحصول على شهادة أكاديمية كافياً لضمان الدخول إلى سوق العمل، في وقت أصبحت فيه المهارات الرقمية والتكنولوجية واللغات والقدرة على التكيف عناصر أساسية في المنافسة الوظيفية.
قطاعات اقتصادية تفرض مهارات جديدة
الرهان في المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بزيادة عدد البرامج أو أعداد المتدربين، وإنما بقدرة هذه البرامج على مواكبة التحول الاقتصادي الذي تشهده العقبة.
فالسياحة والضيافة تحتاجان إلى مهارات متخصصة، والقطاع اللوجستي يحتاج إلى كفاءات قادرة على التعامل مع سلاسل الإمداد والتكنولوجيا الحديثة، فيما يفتح الاقتصاد الأزرق والأخضر مجالات جديدة تتطلب مهارات مختلفة، بالتوازي مع توسع التكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الرقمي.
ومن هنا، فإن تطوير برامج التدريب يجب أن يسير بالتوازي مع قراءة مستمرة لاحتياجات المستثمرين والشركات، بحيث تصبح منظومة التدريب مرآة لسوق العمل وليس منفصلة عنه.
وتتجه المرحلة المقبلة إلى تعزيز دور الشباب كشركاء في التنمية، من خلال تطوير برامج التدريب والتشغيل، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، والتركيز على المهارات الرقمية والتكنولوجية واللغات، إلى جانب قطاعات السياحة والضيافة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الأزرق والريادة.
كما يتواصل العمل على تطوير بنك بيانات الشباب لربطهم بالفرص المتاحة وتعزيز مشاركتهم في الابتكار والاقتصاد الرقمي والسياحة المستدامة.
وتكشف تجربة العقبة أن تمكين الشباب يمكن أن يتحول من شعار تنموي إلى أداة اقتصادية عندما يجري ربط التدريب بالتشغيل، وربط المؤسسات التعليمية بسوق العمل، وإشراك القطاع الخاص في صناعة المهارات، والاستفادة من البيانات في تحديد الأولويات.
والتحدي الأكبر أمام هذه المنظومة خلال المرحلة المقبلة سيكون في استدامة فرص العمل، ورفع جودة التدريب، وقياس أثر البرامج بعد التوظيف، وضمان توافق المهارات مع التحولات الاقتصادية المتسارعة.
فالعقبة التي تتوسع في قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الأزرق والأخضر والتكنولوجيا تحتاج إلى قوة عمل شابة لا تكتفي بالبحث عن وظيفة، بل تمتلك المهارات التي تمكنها من صناعة قيمة اقتصادية جديدة.
وبهذا المعنى، فإن الاستثمار في شباب العقبة لا يمثل استجابة لمشكلة البطالة فحسب، بل يشكل رهاناً على قدرة المدينة على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة.