بقلم :أسامة الدباك
رأيتكِ تجلسين في ذات الموضع
الذي ألفناه معًا،
الموضع الذي انحفرت على أديمه ذكرياتنا وأحلامنا.
وكلما جلستُ فيه
تهادت إليَّ تفاصيل كلِّ لقاء،
وأسمع صدى ضحكاتنا وهمس حديثنا،
كأنها تناجيني…
تشدّني إلى الوراء
وتثقل القيود في معصميّ.
واليوم أبصرتكِ في المكان ذاته،
تبتسمين… تضحكين… تتحدثين… تبوحين،
غير أن السامع تبدّل،
وقارئُ روايتكِ لم أعد أنا،
وتحوّل رفيقُ القهوة،
وانقلبت ذكرياتنا
إلى حكايةٍ يتيمة
لم يعد لها شاهد.
وكيف لا يضطرب قلبي
وأنتِ في الركن الذي عرفنا؟
ألا تهمس لكِ بقايا ذكرياتنا؟
ألا يبلغكِ نسيمُ ضحكاتنا
الذي ما زال عالقًا في هواء المكان؟
لِمَ صرتُ أنا المتحوّل
بعد أن كنتُ غلافَ روايتكِ
ومواضعَ حروفكِ
ونبضَ سطوركِ؟
واليوم ترينني غريبًا بلا ملامح،
حتى صوتي
الذي كان مألوفًا لقلبكِ
أضحى غريبًا على سمعكِ.
أعرفُ جيدًا نبرةَ صوتكِ،
وأحفظُ ملامح عينيكِ،
وأدركُ خفايا فؤادكِ،
لكنني أشعر
كأنني جنديٌّ يقف على عتبة قلبكِ…
مُقصى، لا يُؤذن له بالدخول.
تبدّلت العيون،
وتحوّل الفؤاد،
وانقلب الدفء
بردًا لا يُطاق.
كيف استطعتِ
أن تغتالي براءة أحلامي،
وأن تبعثري ما في داخلي
كما تُبعثر الريحُ رمادَ المواقد؟
وكأن ما كان بيننا
لم يكن عمرًا من البوح،
ولا وطنًا من الذكريات،
بل صفحةً طُويت
قبل أن تُقرأ خاتمتها.
وما زلتُ أنا
أجلس في ذلك المكان،
لا انتظارًا لرؤيتكِ،
بل بحثًا عني
بين فتات ما تركناه هناك.
فكلُّ شيءٍ رحل…
إلا أنا،
وإلا تلك الذكريات
التي ما زالت
تحتلُّ الكرسيَّ المقابل.
كأنها تنتظر عودتكِ،
أو تنتظر مني
أن أُقِرَّ أخيرًا
بأنكِ لن تعودي.
أمدُّ يدي إلى فنجان القهوة،
فأجد الصمت
هو الرفيق الوحيد على الطاولة،
والكرسيُّ المقابل
لم يعد يحمل ملامحكِ
بل صار يحمل
ثِقَل غيابكِ.
حتى المكان
الذي كان يبتسم لخطواتنا
أضحى اليوم
يحدّق في وجهي كغريب،
ويسألني بصمتٍ موجع:
أين انطفأت تلك الحكاية؟
ولا أملك جوابًا…
إلا أن بعض الحكايات
لا تنتهي،
بل تبقى معلّقة
في فسحةٍ بين القلب والذاكرة،
حيث قلبٌ يأبى النسيان،
وذكرياتٌ
تعاند الرحيل.