عاجل
المشهد اليوم ينقل لكم الخبر لحظة بلحظة

إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية

إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية

إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية

المشهد اليوم - المؤلف : الباحث والناقد الإعلامي الأمريكي آدم جونسون

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

وصفت الباحثة والمحامية الفلسطينية نور عريقات موضوع الكتاب بانه تحليل نقدي لتغطية الإعلام الأميركي لحرب غزة، ولا سيما مؤسسات مثل نيويورك تايمز، CNN وMSNBC، مع التركيز على اللغة المستخدمة، وإنتقائية التعاطف، وتغييب الفاعل، وطريقة تصوير الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين.

واعتمد الكتاب بصورة كبيرة على تحليل كمي ونصي واسع للتغطية الإعلامية، وليس مجرد مقالات رأي أو شهادات شخصية ويبحث في المفردات، العناوين، الأطر السردية، حجم التغطية، وطريقة تقديم الضحايا حيث تناقش فصول الكتاب من بين أمور أخرى، أسطورة «40 طفلاً مقطوعي الرؤوس»، وتجريد الفلسطينيين من الإنسانية، ودور الإعلام في حماية إدارة بايدن من مسؤوليتها السياسية، وتغطية جرائم الحرب كما لو كانت «كوارث طبيعية»، وتغطية الإحتجاجات الجامعية.

ويرى المؤلف أن الإعلام الأميركي السائد لم يكن مجرد ناقل محايد للحرب، بل ساهم عبر إختياراته اللغوية والسردية وإنتقائية التعاطف في خلق البيئة السياسية والأخلاقية التي سمحت بإستمرار تدمير غزة.

وأقوى ما في أطروحة آدم جونسون ليس القول إن الإعلام الأميركي «مؤيد لإسرائيل»؛ فهذا معروف ومطروح منذ زمن.
الجديد هو محاولة إثبات أن الإنحياز يمكن قياسه في اللغة نفسها:
•من هو الفاعل في الجملة؟
•من هو الضحية؟
•أي كلمات تُستخدم عند وصف موت الإسرائيليين؟
•وأي كلمات تُستخدم عند وصف موت الفلسطينيين؟
•هل يُقدَّم الضحية كإنسان له إسم وصورة وقصة، أم كرقم؟
•هل يُنسب الفعل إلى جهة محددة، أم تُستخدم صياغة مبنية للمجهول؟
وهنا تصبح المسألة أكثر عمقاً من مجرد «إنحياز سياسي».
فاللغة لا تصف الحدث فقط؛ إنها تحدد، بصورة ضمنية، من يستحق التعاطف ومن يتحمل المسؤولية.
المثال الأكثر دلالة
التمييز بين: «إسرائيل قتلت فلسطينيين»

و: «قُتل فلسطينيون»

ليس مجرد إختلاف الأسلوب.
في الجملة الأولى يوجد فاعل: إسرائيل.
أما في الثانية فقد إختفى الفاعل، وبقي الموت كأنه حدث طبيعي.

وهذا بالضبط أحد أهم أبواب النقد الإعلامي: تغييب الفاعل ليس حياداً بالضرورة؛ فقد يكون شكلاً من أشكال إعادة توزيع المسؤولية.

وفي المقابل، إذا كان الخبر عن الإسرائيليين، تصبح الجملة أكثر تحديداً وإمتلاءً بالمفردات الأخلاقية: «مذبحة»، «ذبح»، «وحشي»، «همجي»... إلخ.
وكما تؤكد أرقام جونسون، فإن القضية تصبح بالفعل قابلة للقياس، لا مجرد إنطباع.

المقارنة مع أوكرانيا هي ربما أقوى أجزاء الدراسة
لأنها تزيل الحجة المعتادة القائلة إن المشكلة مجرد «إختلاف في طبيعة الأحداث».

إذا كانت وسائل الإعلام نفسها قادرة في أوكرانيا على إستخدام أفعال واضحة مثل:
روسيا تهاجم ـ روسيا تقصف ـ روسيا تدمر ـ روسيا تضرب
ثم تنتقل في غزة إلى:
الفلسطينيون يموتون ـ المستشفيات تواجه كارثة ـ وقعت إنفجارات

فالسؤال يصبح مشروعاً جداً:
لماذا تختفي المسؤولية عندما يكون الفاعل إسرائيل؟
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب.

وما أراه أهم من الكتاب نفسه
المسألة لا تتعلق فقط بغزة.
إنها تفتح سؤالاً أوسع عن كيفية صناعة التعاطف في الإعلام الغربي:
لماذا يكون الطفل الأوكراني «طفلاً» له إسم ووجه وقصة وعائلة، بينما يتحول الطفل الفلسطيني إلى «رقم» ضمن حصيلة؟
ولماذا يكون موت صحافي أوكراني حدثاً إنسانياً يستحق القصة والصورة والسيرة، بينما يصبح موت عشرات الصحافيين الفلسطينيين رقماً في أسفل الخبر؟

إذا أثبتت الدراسة ذلك بصورة إحصائية قابلة لإعادة الإختبار، فنحن أمام شيء أهم من فضيحة تحريرية عابرة لا تستطيع وسائل الإعلام الأمريكية إنكارها:
«نحن أمام لغة إعلامية تفرّق، بصورة منهجية، بين ضحية تستحق التعاطف وضحية تُعرض كرقم.