المشهد اليوم - في أعقاب الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك، يؤكد الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور محمد صبحي العايدي أن مواجهة الإرهاب مسؤولية وطنية مشتركة، وأن حماية الإنسان ودور العبادة واجب شرعي، وأن اختلاف الدين لا يبيح الاعتداء ولا ينتقص من حقوق المواطنة.
وأكد خلال حديث لـ «المشهداليوم » أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مستشفى الكرك، واطمئنانه على المصابين ومواساته لأسر الضحايا، تحمل رسالتين عميقتين، الاولى تؤكد أن ألم المواطن حاضر لدى قيادته، وأن أسر الضحايا والمصابين ليست وحدها في هذا المصاب، فالحضور الملكي إلى جانبهم يمنحهم المواساة والسند، ويجسد قرب القيادة من الناس في أصعب لحظاتهم.
والثانية: البعد الوطني، حيث تؤكد الزيارة أن الأردنيين جميعًا متساوون في الرعاية والكرامة، وأن الاعتداء على أي منهم يمس الوطن كله، وهذا ما نحتاج إلى ترجمته في مواقفنا وسلوكنا أن نتقاسم الألم، ونتساند في المحنة، ونحفظ وحدتنا، فجلالته يجسد بهذا الحضور معنى الأسرة الأردنية الواحدة، ويضعنا جميعًا أمام مسؤوليتنا في مواجهة الإرهاب بالتكاتف، ورعاية المتضررين، وصون أمن كل مواطن وحقه في الحياة والعبادة بأمان.
وقال العايدي أننا نقف معًا في مواجهة خطر يستبيح حياة الإنسان ويهدد أمن الوطن، حين يعتدى على كنيسة فإن واجب المواطن الأردني "المسلم والمسيحي" أن يشعر بأن أمنه ووطنه قد استهدفا أيضًا فالمسيحيون أهلنا وشركاؤنا في بناء الوطن، وما يصيبهم يصيبنا، والإرهاب يستفيد من تحويل الجريمة إلى خوف متبادل وعداء بين المواطنين؛ ولذلك فإن تماسكنا، ورفضنا التحريض، ووقوفنا إلى جانب المتضررين، جزء أساسي من مواجهته.
ووصف العايدي الاعتداء على كنيسة حمود بالجريمة إلارهابية بالمدانة دينيًا وأخلاقيًا ووطنيًا، جمعت بين الاعتداء على أرواح آمنة وانتهاك حرمة دار للعبادة وهم يشيعون جنازة، وإدانتها يجب أن تكون واضحة، أما تحديد الفاعلين ودوافعهم وصلاتهم فمسؤولية التحقيق والجهات المختصة، ومن واجبنا أن نساند أسر الضحايا والمصابين، وأن نحمي مجتمعنا من الشائعات.
وقال : الأصل أن اختلاف الدين ليس سببًا لإباحة الدم، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة والأمان لأنه يخالف غيره في الدين، يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ويقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. فالعلاقة مع المسالمين يحكمها العدل والبر وصيانة الحقوق، ولا يجوز لأحد أن يجعل نفسه وصيًا على ضمائر الناس، ثم يعاقبهم على اختياراتهم الدينية.
واضاف المفكر الاسلامي أن حماية الكنائس ومن فيها من العدوان واجب شرعي ووطني، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. فالقرآن ذكر دور العبادة المختلفة في سياق دفع الهدم والعدوان عنها، وهذه دلالة ينبغي أن تحضر بقوة في وعينا الديني من اجل ان نصون دور العبادة، ونحفظ حياة مرتاديها وكرامتهم، ونحمي حقهم في أداء شعائرهم بأمان.
وردا على سؤال حول من يتذرع بالدين لتبرير استهداف المختلفين معه؟ اجاب ،نطالبه بأن يواجه النصوص التي تحرّم الغدر والعدوان وقتل الآمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، رواه البخاري. فكيف يتحول فعل جاء فيه هذا الوعيد إلى قربة يتوهم صاحبها أنه ينصر بها الدين؟ إن رفع شعار ديني لا يغير حقيقة الجريمة، واجتزاء النصوص او الاخذ بعموماتها بلا فهم لا يصنع حجة شرعية.
واكد العايدي إن التضامن مع المظلوم من مقتضيات العدل، فالعدل مطلب إنساني قبل ان يكون مطلبا دينيا، وليس مطلوبا من المسلم ان يتخلى عن دينه حتى يحفظ حق المسيحي، كما لا يطلب من المسيحي التخلي عن دينه ليكون شريكًا كاملًا في الوطن، فكما هناك اختلافات دينية، هناك الكثير مما نشترك فيه كالمواطنة وحب الوطن وحقنا في الحياة والأمان والكرامة، والنضج الديني يظهر في قدرتنا على صيانة هذه الحقوق، وفي رفضنا تحويل الاختلاف إلى اداة للكراهية أو الإقصاء.
وقال: المسيحيون الأردنيون أبناء هذا الوطن وأصحاب تاريخ وحضور ومشاركة في بنائه، حقوقهم أصيلة، وأمنهم مسؤولية الدولة والمجتمع، شأنهم شأن سائر المواطنين. ومن المهم أن تعبر لغتنا العامة عن هذه الحقيقة فنحن نتحدث عن مواطنين تجمعهم أرض ودولة ومصالح ومسؤوليات مشتركة، والوحدة الوطنية تصبح حقيقة راسخة حين يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة، وأن الاعتداء عليه يستدعي تضامن الجميع وإنصاف القانون ومسؤولية العلماء والخطباء والمؤسسات الدينية أن يعالجوا الأفكار التي تهيئ لقبول العدوان أو التهوين منه، نحتاج إلى تعليم يشرح حرمة الدماء، وحقوق المواطنة، وخطورة التكفير المتفلت، والفرق بين الاختلاف العقدي والعلاقة المدنية بين الناس، كما نحتاج إلى تدريب القيادات الدينية على الحوار الجاد مع الشباب، يستمع إلى أسئلتهم ويفكك حجج التطرف، فالإدانة بداية واجبة، ويتبعها جهد تربوي وفكري مستمر يبني الوعي ويحصن المجتمع من الكراهية.
وشدد على أن العمل الأمني ضرورة لحماية الأرواح، ومنع الجرائم، وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة، وتكتمل فاعليته بعمل تربوي وفكري واجتماعي يعالج التحريض ويرسخ الثقة بالمؤسسات وسيادة القانون، وعلى الأسرة والمدرسة والجامعة والمنبر والإعلام مسؤوليات متكاملة، وكلما امتلك الشباب أدوات التفكير والنقد، وشعروا بقيمة مشاركتهم في مجتمعهم، أصبحوا أقدر على كشف خطاب يستدرجهم باسم الدين إلى تدمير حياتهم وحياة الآخرين.
وبين العايدي أهمية تحرّي المعلومات، واحترام كرامة الضحايا ومشاعر أسرهم، والامتناع عن نشر الاتهامات والروايات غير المثبتة. يجب ألا تتحول الجريمة إلى ذريعة للتعميم على دين أو عائلة أو منطقة؛ فالمسؤولية تُحدَّد بالدليل، ويتولاها القضاء. كما ينبغي إبراز صور المساندة والتكافل، وإعطاء مساحة للكلمة المسؤولة التي تجمع المواطنين على رفض الاعتداء الأجرامي، ففي لحظات الألم، قد تكون مشاركة الاخبار غير الصحيحة سببًا في أذى كبير للمكلومين وعائلاتهم وأقربائهم.
وختم العايدي حديثه برسالة تعزية لأسر الضحايا شهداء الوطن، ونسأل الله الشفاء للمصابين، ونؤكد لأهلنا في الكرك أن مصابهم مصاب الوطن كله، نحن كمسلمين ومسيحيين، شركاء في حماية الأردن وصيانة كرامة أبنائه، وعدوّنا واحد وهو الإرهاب، فلنواجهه بوعي وثبات، ولنجعل تضامننا حاضرًا في المواقف كلها.
سيبقى الأردن قويًا بقيادته الهاشمية وبوحدة أهله، وبإصرارهم على أن يعيش كل مواطن فيه آمنًا على نفسه وأسرته ودور العبادة.

