المشهد اليوم - د.محمد صبحي العايدي
الباحث في الفكر الإسلامي
أخطر ما نفعله بعد الجريمة أن نكتفي بإدانتها، ثم نعود إلى البرامج نفسها، والخطاب نفسه، وننتظر نتيجة مختلفة، فملاحقة المجرم ضرورة لحماية الناس، لكن الوقاية تقتضي سؤالًا أصعب: كيف تشكلت القناعة التي جعلته يستبيح دماءهم؟ ومن أين اكتسب الجرأة على تحويل اختلاف الدين إلى ذريعة للقتل، والاعتداء على المصلّين عملاً يتوهم أنه يتقرب به إلى الله؟
من هنا تأتي أهمية توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، ضمن خطة منهجية بالتنسيق مع المرجعيات الدينية، وهذا التوجيه يحمل مسؤولية تتجاوز إعلان المواقف، فالمراجعة تضع المؤسسات المعنية أمام مسؤولية فحص أدائها، واختيار أدواتها، وتفتح آفاقاً للعمل الوطني المتكامل، يجمع الحزم في مواجهة الجريمة مع الوقاية من الأفكار والمسارات التي قد تقود إليها، ويجعل حماية المجتمع مسؤولية مستمرة.
وتحمل "المراجعة" دلالة عميقة في بناء السياسات، فهي تعني تجديد المعرفة بالمشكلة، وفهم تحولاتها، وتطوير الأدوات القادرة على التعامل معها، فمسارات التأثير والاستقطاب تتبدل، ووسائل الوصول إلى الشباب تتسع، والخطاب المتطرف قادر على التحور، ويعيد تقديم نفسه بلغات وصور مختلفة، ومواكبة هذه التحولات تقتضي التعلم المستمر، وتبادل الخبرات، وتقييم النتائج والاستفادة منها في تحسين البرامج الوقائية.
وتبدأ المواجهة العلمية بضبط المفاهيم ومراجعتها؛ فالتدين لا يعني التطرف، والتمسك بالعقيدة لا يمنح صاحبه سلطة على أرواح الآخرين وحقوقهم، ولا يجيز له أن ينصب نفسه قاضيًا ومنفذًا للعقوبة خارج مؤسسات الدولة والقضاء، إننا بحاجة إلى مراجعة علمية مستمره للفهم والنزيل، تعالج مواطن الالتباس التي يستثمرها الخطاب المتطرف.
وفي هذا السياق يمثل تجديد الفكر الديني عملاً علمياً مستمراً، يقوم على تعميق فهم النص في تنزيله على الواقع، وتنمية ملكة الاجتهاد المنضبط، واستحضار مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة والعدل، ويتيح هذا التجديد للخطاب أن يصل إلى الناس بلغة واضحة، تجمع بين الرسوخ المعرفي، وحسن التواصل، وتحويل القيم إلى سلوك يحمي الحياة ويعزز الثقة.
وتبرز هنا أهمية المراجعات الدينية في تأصيل حقوق المواطن مع اختلاف المعتقد باعتباره شريكاً كاملاً في الوطن، لا ضيفاً تتوقف كرامته على رضى الآخرين، وكيف تقرأ نصوص القتال في سياقاتها وضوابطها، ومنع اقتطاعها وتحويلها إلى أوامر مفتوحة بالعدوان، وأرى أن تعزيز الحديث عن سماحة الإسلام بمعالجة علمية متخصصة لشبهات التكفير واستباحة الدماء، فنحن نحتاج إلى تأسيس علمي يجيب عن الأسئلة التي يستثمرها المحرضون، ويكشف فساد استدلالهم.
ولا يصح اختزال مسارات التطرف في سبب واحد، فالتشخيص الجاد يفحص تفاعل التأويلات المنحرفة مع تجارب الأفراد، وشبكات الاستقطاب والبيئة الرقمية، ولهذا ينبغي أن تتكامل المرجعية الدينية مع خبرات التربية والاجتماع والنفس والإعلام، وأن تصل البرامج إلى الشباب في المساحات التي يتشكل فيها وعيهم، بلغة تفهم أسئلتهم وتقدم إجابات راسخة ومقنعة.
إن ترجمة التوجيه الملكي تقتضي خطة منهجية معلنة، ومسؤوليات محددة، وتأهيلًا متخصصًا للقيادات الدينية وتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والاعلام، لدراسة أسباب التطرف وتفكيكه، ومقاومة التجنيد ورفض التحريض، وحماية التماسك المجتمعي.
ففي الأردن تظل المواطنة والعيش المشترك أساساً متيناً لحماية المجتمع، فالمسلم والمسيحي شريكان في الوطن والمصير، وأمن الكنيسة من أمن المسجد، وأمن المصلين جزء لا يتجزأ من أمن الجميع، وصيانة هذه الشراكة ينبغي أن تستند إلى معايير قابلة للفحص، تشمل سلامة الأفراد، وحرية العبادة، والحقوق المدنية، وتكافؤ الفرص، والقدرة على المشاركة في الحياة العامة، ومدى الحماية من التمييز والعنف، وتتجسد هذه الشراكة أيضاً في التضامن الذي يمنع تحويل جريمة يرتكبها أفراد إلى خصومة بين أبناء الوطن الواحد.
حين يوجه الملك بالمراجعة، يصبح واجب المؤسسات المعنية أن تضع أداءها أمام التقييم، وأن تصحح أولوياتها وأدواتها حيث يلزم، فحرمة الدماء تستحق حضورًا ثابتًا في التعليم والوعظ والإفتاء والقضاء والعمل المجتمعي، وتستحق أن تبنى حمايتها قبل الجريمة، فحين تصبح حماية الدماء أولوية ثابتة، وتخضع أدواتها للتقييم والتصحيح، نكون قد بدأنا مواجهة التطرف في المكان الذي تتشكل فيه الجريمة، وفي الفكرة التي تسقط حرمة النفس الإنسانية.

