خاص
(المشهد اليوم) - العقبة تمثل محطة الغاز الطبيعي التي افتتحها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في مدينة القويرة الصناعية بالعقبة أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية؛ فهي تأتي ضمن توجه حكومي أوسع لإعادة هيكلة كلف الطاقة في المدن والتجمعات الصناعية، ورفع قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات الجديدة.
وتستهدف الاستراتيجية الحكومية خفض كلف الطاقة في المدن والتجمعات الصناعية بمختلف محافظات المملكة بنسب تتراوح بين 35 و60 بالمئة، وهو ما يعكس إدراكًا لأهمية الطاقة باعتبارها أحد المكونات الرئيسية في الكلفة التشغيلية للقطاع الصناعي، وأحد العوامل المؤثرة في قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وتبلغ كلفة إنشاء محطة الغاز الطبيعي في مدينة القويرة الصناعية نحو 8 ملايين دينار، فيما تبلغ قدرتها التشغيلية الأولية 30 ألف متر مكعب يوميًا، مع إمكانية رفعها إلى 90 ألف متر مكعب يوميًا وفق احتياجات التوسع الصناعي.
وتكمن الأهمية الاقتصادية للمشروع في أن تخفيض كلف الطاقة لا ينعكس على فاتورة المصانع فقط، وإنما يمتد أثره إلى سلسلة الإنتاج كاملة، بدءًا من تكلفة تشغيل خطوط الإنتاج وصولًا إلى سعر المنتج النهائي وقدرته على المنافسة في الأسواق.
ومن هذا المنظور، فإن توفير الغاز الطبيعي للمصانع يمثل عاملًا داعمًا للتوسع في النشاط الصناعي، خصوصًا أن استقرار مصادر الطاقة وتوافرها بكلف أقل يمنح المستثمرين قدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد واتخاذ قرارات التوسع والإنتاج.
كما أن تخفيض كلف التشغيل يمكن أن يتيح للمصانع توجيه جزء من الوفورات نحو زيادة الإنتاج، وتطوير خطوط التصنيع، وتحسين الجودة، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وهو ما يتقاطع مع النمو المتصاعد للصادرات الصناعية الأردنية.
وتكشف تفاصيل المشروع عن توجه يتجاوز إنشاء محطة للغاز، نحو بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على توفير مقومات الاستثمار والإنتاج في موقع واحد.
فقد جرى تطوير مدينة القويرة الصناعية على مساحة 1800 دونم، وبدأ تنفيذها عام 2023 ضمن اتفاقية تطوير مشتركة بين سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وشركة تطوير العقبة وشركة PBI.
وتم إنجاز أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى على مساحة تزيد على 300 دونم، إلى جانب إنشاء محطة قياس وتخفيض ضغط مرتبطة بخط الغاز العربي وشبكة الغاز الطبيعي، بطاقة تزيد على 90 ألف متر مكعب في الساعة، وبكلفة بلغت نحو 25 مليون دينار.
وهذه البنية التحتية تشكل عنصرًا أساسيًا في قدرة المدينة على استقطاب صناعات جديدة، إذ إن المستثمر لا يبحث فقط عن الأرض، وإنما عن منظومة متكاملة تشمل الطاقة والمياه والطرق والخدمات اللوجستية والبنية التحتية اللازمة لبدء الإنتاج واستمراره.
الجانب الأكثر أهمية في المشروع يتمثل في تحويل ميزة الطاقة من تحدٍ أمام المستثمر إلى عنصر جذب استثماري.
فعندما تتوافر الطاقة بأسعار تنافسية وبإمدادات مستقرة، تصبح المدن الصناعية أكثر قدرة على استقطاب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كما تتحسن قدرة المستثمر على احتساب كلفة الإنتاج واتخاذ قرارات الاستثمار والتوسع بثقة أكبر.
ويضاف إلى ذلك الموقع الاستراتيجي للعقبة، الذي يمنح الصناعات القائمة والمستقبلية فرصة الوصول إلى الميناء وشبكات النقل والأسواق الإقليمية، ما يرفع القيمة الاقتصادية للبنية التحتية التي يجري تطويرها في القويرة.
وتأتي محطة الغاز ضمن مجموعة خطوات حكومية تستهدف دعم الصناعة الوطنية، خصوصًا في ظل تنامي صادرات المنتجات الصناعية الأردنية، بما يجعل خفض كلف الإنتاج أحد المفاتيح الرئيسية للحفاظ على القدرة التنافسية وزيادة الحضور في الأسواق الخارجية.
فالصناعة لا تحتاج فقط إلى دعم مالي مباشر، وإنما إلى بيئة إنتاجية تخفض كلفها وتقلل المخاطر أمام المستثمر، وتوفر لها البنية التحتية والخدمات الأساسية بكفاءة واستدامة.
ومن هنا، فإن الاستثمار في شبكات الغاز والبنية التحتية الصناعية يمكن أن يؤدي دورًا مضاعفًا؛ فهو يخدم المصانع القائمة من خلال خفض كلف الطاقة، ويخدم المستثمرين الجدد عبر توفير جاهزية أعلى للمواقع الصناعية، كما يدعم الاقتصاد الوطني من خلال زيادة الإنتاج والصادرات وفرص العمل.
ويحمل المشروع كذلك بُعدًا مرتبطًا بمكانة العقبة الاقتصادية، إذ إن تطوير المدن الصناعية بالقرب من منظومة الموانئ والخدمات اللوجستية يتيح بناء نموذج متكامل يربط الإنتاج الصناعي بالنقل والتصدير والأسواق الإقليمية.
وبالتالي، فإن تطوير القويرة الصناعية يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية في العقبة، وعدم اقتصار دورها على الخدمات المينائية والسياحية، لتصبح مركزًا يجمع الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والتصدير.
ومن المتوقع أن تترك استراتيجية خفض كلف الطاقة آثارًا تتجاوز المصانع المستفيدة مباشرة، من خلال دعم الاستثمار الصناعي، وزيادة القدرة الإنتاجية، وتحفيز التوسع في الصادرات، وتحسين تنافسية المنتج الأردني، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة مرتبطة بالمشروعات الصناعية وسلاسل التوريد والخدمات المساندة.
كما أن نجاح هذه الاستراتيجية في المدن الصناعية المختلفة يمكن أن يؤدي إلى خلق بيئة استثمارية أكثر تنافسية على مستوى المملكة، بحيث تصبح كلفة الطاقة عامل جذب بدل أن تكون أحد التحديات الرئيسية أمام المستثمرين.
محطة الغاز في القويرة تمثل حلقة في استراتيجية أوسع لإعادة بناء البيئة الصناعية على أساس خفض الكلف ورفع الكفاءة وجذب الاستثمار. فالهدف لا يقتصر على توفير مصدر طاقة للمصانع، وإنما يرتبط بتعزيز قدرة الصناعة الأردنية على الإنتاج والمنافسة والتصدير، وتحويل المدن الصناعية إلى منصات اقتصادية متكاملة.
ومع استكمال البنية التحتية للمدينة ورفع قدرة محطة الغاز تدريجيًا، تصبح القويرة مرشحة لأداء دور أكبر في استقطاب الصناعات، خصوصًا إذا ترافقت ميزة الطاقة منخفضة الكلفة مع تسهيلات استثمارية وخدمات لوجستية فعالة وربط مباشر بالأسواق.
وبذلك، فإن الرهان الحكومي في القويرة يتجاوز خفض فاتورة الطاقة؛ ليصل إلى بناء نموذج صناعي أكثر تنافسية، قادر على جذب استثمارات جديدة، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتعزيز موقع العقبة كمنصة صناعية ولوجستية واستثمارية على مستوى المملكة والمنطقة.