عاجل

العقبة تعيد رسم خريطة سلاسل التوريد.. قرارات لتحصين الأمن الغذائي وتعزيز التجارة

العقبة تعيد رسم خريطة سلاسل التوريد.. قرارات لتحصين الأمن الغذائي وتعزيز التجارة

العقبة تعيد رسم خريطة سلاسل التوريد.. قرارات لتحصين الأمن الغذائي وتعزيز التجارة

خاص

العقبة - (المشهد اليوم) - لا يبدو الاجتماع التنسيقي الموسع الذي عقد في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة مجرد لقاء لبحث التحديات التشغيلية في النقل والموانئ، بل يعكس توجهًا حكوميًا نحو إعادة تنظيم منظومة سلاسل التوريد على أساس الجاهزية والاستباقية والتكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، في ظل متغيرات إقليمية ودولية تفرض على الدول تعزيز قدرتها على تأمين تدفق السلع وحماية أمنها الغذائي.

وجمع الاجتماع وزير النقل ووزير العمل الدكتور نضال القطامين، ووزير الصناعة والتجارة والتموين المهندس يعرب القضاة، ورئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة شادي رمزي المجالي، إلى جانب الجمارك وشركات إدارة وتشغيل الموانئ وميناء الحاويات وغرف التجارة والصناعة ونقابات التخليص والملاحة، بما يعكس اتساع دائرة المسؤولية عن منظومة الإمداد وعدم حصرها في جهة واحدة.

وتكمن أهمية هذا التمثيل الواسع في أن أي خلل في سلسلة التوريد لا يبدأ وينتهي عند الميناء، بل يرتبط بسلسلة مترابطة تشمل المناولة والتخزين والتخليص الجمركي والنقل البري والمعابر الحدودية وصولًا إلى الأسواق والمستهلكين، الأمر الذي يجعل التنسيق بين هذه الجهات عاملًا حاسمًا في تقليل زمن وكلفة حركة البضائع.

ومن هذا المنطلق، حمل الاجتماع ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأول يتعلق بالأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي، والثاني برفع كفاءة العقبة كمحور للنقل واللوجستيات، والثالث بتسهيل حركة التجارة والترانزيت وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.

وفي المسار الأول، جاء استعراض مستويات المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية ليؤكد أن الأمن الغذائي لا يعتمد على حجم المخزون فقط، وإنما على قدرة الدولة على ضمان وصول السلع واستمرار تدفقها عبر الموانئ وسلاسل النقل في مختلف الظروف.

وبحسب وزير الصناعة والتجارة والتموين، يكفي مخزون القمح والشعير لنحو عشرة أشهر، فيما تتراوح مخزونات السكر والأرز والبقوليات والزيوت النباتية والذرة والأعلاف بين شهرين وأربعة أشهر، وهي مؤشرات تمنح الأسواق هامش أمان في مواجهة أي اضطرابات محتملة.

أما المسار الثاني، فيرتبط بتطوير العقبة باعتبارها البوابة البحرية الرئيسية للمملكة، حيث ركز الاجتماع على زيادة كفاءة الساحات اللوجستية، وتقليص زمن مكوث الحاويات، والتوسع في الأتمتة، وتسريع المعاينة والتخليص الجمركي.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية مباشرة، إذ إن كل يوم إضافي تقضيه البضائع داخل الساحات والموانئ يرفع الكلفة على المستورد والمصدر، فيما يؤدي تسريع الإجراءات إلى تحسين تنافسية التجارة الأردنية ورفع جاذبية العقبة كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية.

وفي هذا السياق، جاءت القرارات المتعلقة بفتح ساحة جديدة لحاويات المكوث الطويل الخاصة ببضائع الترانزيت، وتخصيص ساحة إضافية للحاويات الفارغة، وتسهيل مناولة الحاويات المبردة، لتشكل حلولًا عملية لاختناقات تشغيلية داخل المنظومة.

كما أن رفع مدة الإعفاء من أرضيات الحاويات الصادرة من سبعة أيام إلى أربعة عشر يومًا يمثل إجراءً داعمًا للمصدرين، إلى جانب تخفيض رسوم الإتلاف، بما يخفف الأعباء التشغيلية ويمنح الشركات مساحة أكبر لإدارة عملياتها.

وفي المسار الثالث، تبرز أهمية تعزيز حركة الترانزيت والتجارة مع دول الجوار، من خلال تقديم مزيد من التسهيلات لحركة بضائع الترانزيت وتصدير النفط والزيوت إلى العراق وسوريا، الأمر الذي يفتح أمام العقبة مجالًا أوسع لتعزيز دورها كممر تجاري إقليمي.

ويظهر من طبيعة القرارات أن الهدف لم يعد فقط معالجة الاختناقات القائمة، وإنما بناء منظومة لوجستية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للأزمات. ففتح الساحات وزيادة الطاقة الاستيعابية، وأتمتة الإجراءات، وتسهيل التخليص، وتحسين حركة النقل من الموانئ إلى المعابر الحدودية، كلها إجراءات تصب في رفع قدرة المملكة على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد.

وفي المقابل، فإن التركيز على السلامة والصحة المهنية في المنشآت المينائية، ولا سيما ميناء النفط وميناء الغاز المسال، يضيف بُعدًا آخر إلى الاستراتيجية، يتمثل في ضمان استمرار النشاط الاقتصادي واللوجستي ضمن أعلى مستويات السلامة، وعدم فصل الكفاءة التشغيلية عن حماية العاملين والمنشآت.

كما أن حضور القطاع الخاص في الاجتماع، ممثلًا بغرف التجارة والصناعة ونقابات التخليص والملاحة والشركات العاملة في الموانئ، يعكس توجهًا نحو الشراكة في صناعة الحلول، بدل الاكتفاء بإدارة التحديات من الجانب الحكومي.

وتشير مخرجات الاجتماع إلى أن العقبة تقف أمام فرصة لتعزيز موقعها ليس كميناء لاستقبال وتصدير البضائع فحسب، وإنما كمركز متكامل للتخزين والنقل والترانزيت والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وصلتها بالأسواق الإقليمية.

وبذلك، فإن أهمية الاجتماع تتجاوز القرارات التشغيلية المعلنة؛ فهو يربط بين الأمن الغذائي والأمن اللوجستي واستقرار الأسواق والتجارة الإقليمية ضمن منظومة واحدة، ويعكس انتقالًا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء جاهزية مسبقة تقلل من آثارها.

وفي المحصلة، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيقاس بقدرتها على تحويل القرارات إلى نتائج ملموسة، أبرزها تقليص زمن مكوث البضائع، وخفض كلف النقل والمناولة، وتسريع التخليص، وتحسين انسيابية الترانزيت، والحفاظ على مخزونات آمنة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويرسخ العقبة كمحور إقليمي موثوق لسلاسل التوريد والتجارة.

..(المشهد اليوم)