خاص (المشهد اليوم) -العقبة 8 اب - تخوض مدينة العقبة تحولاً استراتيجياً بارزاً عبر تحويل خفض الانبعاثات الكربونية إلى رافعة اقتصادية وتنافسية، مستفيدة من مشاريع الطاقة النظيفة، وتوسيع استخدام الغاز الطبيعي في المناطق الصناعية مثل مدينة القويرة والمنطقة الجنوبية، إضافة إلى شراكات نوعية لخفض غازات الدفيئة ودعم الاقتصاد الأخضر والأزرق تماشياً مع رؤية التحديث.
وتحمل مذكرة التفاهم الموقعة بين وزارة البيئة، وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وشركة صناعات الأسمدة والكيماويات العربية «كيمابكو»في مضمونها أبعاداً اقتصادية أوسع، تتصل بمستقبل الصناعة الأردنية وقدرتها على المنافسة في الأسواق التي تتجه بصورة متسارعة نحو الاقتصاد منخفض الكربون وليست مجرد خطوة بيئية للحد من انبعاثات أكسيد النيتروز (N₂O)، .
وتستهدف المذكرة خفض نحو 150 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً من منشأة «كيمابكو» في العقبة، بالتوازي مع تعزيز منظومة الرصد والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات، بما يدعم هدف الأردن بخفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 31 بالمئة بحلول عام 2030.
اقتصادياً، تكمن أهمية المشروع في أن الانبعاثات أصبحت عاملاً مؤثراً في تنافسية المنتجات الصناعية وليس ملفاً بيئياً فقط؛ فمع تشدد الأسواق العالمية في تطبيق المعايير المناخية والبيئية، تتزايد أهمية قدرة الشركات على إثبات انخفاض بصمتها الكربونية، وهو ما يمكن أن ينعكس مستقبلاً على فرص النفاذ إلى الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتوسيع قاعدة العملاء.
وبالنسبة لقطاع الأسمدة والكيماويات، فإن هذا التحول يحمل أهمية خاصة، باعتبار أن الصناعة العالمية تتجه نحو إنتاج أكثر كفاءة وأقل كثافة في الانبعاثات. وبالتالي، فإن الاستثمار في خفض الانبعاثات يمكن أن يتحول من كلفة تشغيلية إضافية إلى استثمار في القدرة التنافسية، خصوصاً إذا ارتبط بتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد وتطوير التقنيات الصناعية.
كما أن خفض 150 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً يرفع من قيمة المشروع على المستوى الاقتصادي، لا سيما مع تطور الأسواق المرتبطة بالكربون والتمويل الأخضر، إذ أصبحت البيانات الموثوقة حول الانبعاثات والأداء البيئي عاملاً مهماً في قرارات المؤسسات التمويلية والاستثمارية.
وتكتسب الخطوة أهمية أكبر بالنسبة للعقبة تحديداً، نظراً لموقعها كمركز رئيسي للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية في المملكة. فالتحول إلى نموذج صناعي منخفض الانبعاثات يمكن أن يمنح المنطقة ميزة إضافية في استقطاب الاستثمارات التي تبحث عن مواقع إنتاج قادرة على مواكبة المتطلبات البيئية العالمية.
والأهم أن نجاح التجربة في «كيمابكو» يمكن أن يفتح الباب أمام توسيع نموذج خفض الانبعاثات ليشمل منشآت صناعية أخرى في العقبة، ما يعني انتقال الأثر من مشروع منفرد إلى مسار اقتصادي أوسع، يمكن أن يرفع كفاءة القطاع الصناعي ويخفض تكاليفه على المدى الطويل ويعزز جاذبية المنطقة أمام الاستثمارات النوعية.
وتبرز هنا أهمية الشراكة بين الحكومة والسلطة والقطاع الخاص؛ فالاستثمار الصناعي منخفض الانبعاثات يحتاج إلى بيئة تنظيمية واضحة، وبيانات قابلة للتحقق، وحوافز استثمارية، وتسهيلات تمكن الشركات من تحديث تقنياتها دون أن تتحول كلفة التحول البيئي إلى عبء يضعف قدرتها التنافسية
ومن منظور اقتصادي أوسع، فإن المشروع يضع الأردن أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البيئة والصناعة والاستثمار. فخفض الانبعاثات لم يعد يمثل التزاماً دولياً فقط، بل أصبح جزءاً من قواعد المنافسة الجديدة في التجارة والصناعة والتمويل.
وكلما تمكنت الشركات الأردنية من خفض انبعاثاتها وإثبات ذلك من خلال أنظمة دقيقة للرصد والإبلاغ والتحقق، ازدادت قدرتها على التعامل مع الأسواق التي تفرض معايير بيئية أكثر صرامة، كما تتحسن فرصها في الاستفادة من أدوات التمويل الأخضر والاستثمارات المرتبطة بالاستدامة.
وعليه، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية لمذكرة التفاهم لا تتوقف عند خفض 150 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وإنما تتمثل في بناء نموذج صناعي قابل للتوسع، يجعل خفض الانبعاثات جزءاً من استراتيجية النمو والتنافسية.
وفي حال جرى البناء على هذه التجربة وتعميمها على الصناعات في العقبة، فقد تتحول المدينة تدريجياً من مجرد مركز صناعي ولوجستي إلى منصة إقليمية للصناعة منخفضة الانبعاثات، بما يعزز قدرتها على استقطاب استثمارات جديدة، ويفتح أمام المنتجات الأردنية فرصاً أكبر في الأسواق العالمية، ويمنح الاقتصاد الوطني ميزة تنافسية في مرحلة تتجه فيها التجارة العالمية نحو ربط النمو الاقتصادي بالأداء المناخي.