المشهد اليوم - المشهد اليوم 21 اب - غزة - بين أكوام الخرسانة وآثار الدمار، يخوض عمال في قطاع غزة مغامرة يومية بحثًا عن مصدر رزق يسد رمق عائلاتهم
حيث يقف عشرات العمال فوق أنقاض المباني المدمرة بحثًا عن مصدر رزق فرضته الحرب.
فلم يعد الركام مجرد شاهد على الخراب، بل تحول إلى مهنة اضطر إليها من فقدوا أعمالهم، ليعملوا بأدوات بدائية ومن دون أي وسائل حماية، في مواجهة يومية مع خطر الانهيارات وشظايا الخرسانة والإصابات، بعدما أصبحت لقمة العيش مرهونة بالمخاطرة بالحياة.
وبأدوات بدائية لا توفر الحد الأدنى من شروط السلامة، يضربون الخرسانة الثقيلة بمطارق ضخمة، ويحفرون بين الركام لانتزاع قضبان الحديد وإعادة بيعها أو استخدامها في صناعة احتياجات أساسية فرضتها ظروف الحرب والنزوح.
لم يعد الركام في غزة مجرد شاهد على حجم الدمار، بل تحول بالنسبة لآلاف المواطنين إلى مصدر محدود للرزق والمواد التي يصعب الحصول عليها في ظل الحصار ومنع إدخال مواد البناء وتوقف معظم فرص العمل.
وبينما يحاول هؤلاء العمال استخراج الحديد، تظل احتمالات انهيار المباني أو انفجار مخلفات الحرب حاضرة في كل ضربة مطرقة.
ودمرت قوات الاحتلال على مدار نحو 3 أعوام من حرب الإبادة الجماعية نحو 90 % من منازل ومباني قطاع غزة.
وحسب المركز الفلسطيني للاعلام يمتلك المواطن محمد أبو العراج “مهدة” تزن قرابة ستة كيلوغرامات، ويستخدمها يوميًا منذ أسابيع في تكسير أجزاء من المباني المدمرة واستخراج قضبان الحديد من داخل الخرسانة.
يقول ابو العراج إن العمل أصبح وسيلته لتوفير متطلبات أسرته اليومية في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وانعدام فرص العمل، لكنه يؤكد أن استخراج الحديد من المباني المهدمة “خطير جدًا”، في ظل غياب وسائل السلامة، وإمكانية انهيار أجزاء من الأبنية في أي لحظة.
ويشير إلى أن العمال يضطرون إلى المجازفة للوصول إلى القضبان المعدنية المدفونة بين الركام، رغم إدراكهم أن أي خطأ قد يؤدي إلى إصابة أو وفاة.
أما المواطن طارق ياسين، فيرى أن امتلاك “مهدة” بات بمثابة امتلاك رأس مال بسيط يسمح لصاحبه بالبدء في العمل، إلى جانب الإرادة والحاجة.
ويقول إن العاملين في هذا المجال “محتاجون ومجبرون”، وإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الاستثنائية دفعتهم إلى البحث عن لقمة العيش في أماكن قد تكون نهايتها الموت.
لا تنتهي رحلة قضبان الحديد عند استخراجها من الخرسانة، إذ تبدأ بعدها مرحلة أخرى من إعادة الاستخدام.
ويقول المواطن علي العمور إن العمال يبيعون الحديد المستخرج لأصحاب “الثنايات”، الذين ينقلونه إلى أماكن مخصصة لتعديله وتقويمه باستخدام آلات يدوية
ويوضح أن عملية تعديل الحديد ليست سهلة، وتحتاج إلى جهد وخبرة، فيما يلجأ بعض أصحاب المنازل المدمرة إلى تشغيل العمال لهدم أجزاء من مبانيهم مقابل أجر يومي، على أن يحتفظ صاحب المنزل بالحديد المستخرج ويتولى بيعه.
وفي بعض المناطق، تقوم جهات محلية بالشراكة مع مؤسسات دولية بنقل بقايا الحجارة والركام من أماكن وجودها، واستخدامها أحيانًا في شق طرق بين الخيام، أو نقلها إلى مكبات بعيدة عن الطرق وتجمعات النازحين.
ولم يقتصر استخدام الحديد المستخرج من الركام على الورش وأعمال التصنيع، بل أصبح جزءًا من محاولات الأسر تحسين ظروف المعيشة داخل مخيمات النزوح.
ويقول المواطن يوسف عوض الله إنه لجأ إلى صناعة خيمته من قضبان الحديد المستخرجة من المباني المدمرة، بعدما سبق له استخدام الخشب في بناء عدة خيام لكنها تهالكت بفعل الظروف الجوية وعوامل التعرية.
وتأتي هذه الأعمال الفردية في وقت يواجه فيه قطاع غزة واحدة من أكبر عمليات تراكم الأنقاض في تاريخه الحديث.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى وجود ما بين 61 و66 مليون طن من الركام في قطاع غزة، في ظل تضرر أو تدمير نحو 371,888 وحدة سكنية.
وفي ظل هذا الواقع، يجد بعض الغزيين أنفسهم أمام خيارات قاسية؛ فإما البقاء بلا دخل، أو المخاطرة بحياتهم في البحث عن الحديد بين الأنقاض.
وهكذا، تحولت قضبان الحديد المدفونة تحت ركام المنازل المدمرة من جزء من مبانٍ كانت يومًا بيوتًا آمنة، إلى مصدر رزق ومواد لإعادة بناء خيام ومقتنيات أساسية. وبين مطرقة العامل وخرسانة المنزل المدمر، تتجسد صورة أخرى من صور الحياة في غزة؛ حياة يحاول فيها الناس انتزاع أبسط مقومات البقاء من بين أنقاض الحرب.
