عاجل
المشهد اليوم ينقل لكم الخبر لحظة بلحظة

تقرير : قصة سلافة أبو كويك تمثل نموذجاً مأساوياً ومشرّفاً في آنٍ واحد لصلابة وصمود الإنسان بغزة في مواجهة النزوح والفقد والحروب

تقرير :   قصة سلافة أبو كويك تمثل نموذجاً مأساوياً ومشرّفاً في آنٍ واحد لصلابة وصمود الإنسان  بغزة في مواجهة النزوح والفقد والحروب

تقرير : قصة سلافة أبو كويك تمثل نموذجاً مأساوياً ومشرّفاً في آنٍ واحد لصلابة وصمود الإنسان بغزة في مواجهة النزوح والفقد والحروب

المشهد اليوم - المشهد اليوم 23 اب - غزة - تمثل قصة السيدة الفلسطينية سلافة أبو كويك نموذجاً حياً ومؤلماً لمعاناة الأمهات في قطاع غزة، حيث تجرعت مرارة الفقد المزدوج بفقدان أطفالها في تفاصيل قاسية تلخص واقع الحرب والنزوح المستمر.
وتجسد هذه القصة المأساوية العناوين البارزة لـ وجع الفقد الذي يطال العائلات الفلسطينية، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى محطات متلاحقة من الصبر والتضحية وسط استهداف الطواقم الطبية، والمسعفين، والمدنيين داخل القطاع .
و كانت المواطنة سلافة محمد أبو كويك (53 عاما) تقف في مطبخ شقتها في منزل عائلة زوجها المكوّن من خمسة طوابق، تقوم بغسل أواني الطعام وإلى جانب طفلتها هيا، ذات الثلاثة عشر عاماً، في مساء التاسع عشر من نوفمبر 2023، عندما استهدف قصف جوي إسرائيلي منزل الجيران على بعد أمتار قليلة ليفتح على العائلة فصلاً من الفقد سيمتد على مدى عامين كاملين.
في ذلك اليوم، اهتزّ المطبخ بعنف، وتطايرت كتل إسمنتية وشظايا دخلت من النافذة، لتصاب سلافة وابنتها التي سرعان ما سيتبين أنها فقدت حياتها. تسترجع سلافة في شهادتها لباحث المركز تفاصيل تلك اللحظات المؤلمة:

“سمعت صوت صفير وتطاير شظايا الصاروخ، وكتل اسمنتية دخلت علينا المطبخ، وشعرت بشعري يحترق وألم في رقبتي وحروق في كتفي (الجهة اليسرى)، ومع الانفجار وتطاير الركام انتشر غبار في المطبخ دخل في عيني فأصبحت بالكاد أرى بهما، فخرجت مسرعة من المطبخ أتحسس الطريق إلى باب الشقة كي أنادي على من يساعدني أنا وابنتي التي لم أكن أعرف في تلك اللحظة ما جرى لها.”

على الدرج، التقت سلافة بابنيها محمد (19 عاما) ومنتصر (23 عاما)، فطلبت من كل منهما أن يذهب ليطمئن على أخته هيا، بينما واصلت هي النزول ببطء، لتكتشف تدريجيا عمق الجرح في رقبتها ويدها.

وحين لحق بها ابناها يحملان شقيقتهما، استدارت عنهما بناء على طلبهما، ولم تدرك أنهما يحملان جثمان طفلتها إلا حين سمعت صرخة من إحدى قريباتها في الطابق الثاني.
نقلت سلافة إلى مستشفى ناصر الطبي، حيث أظهرت الأشعة المقطعية عمق إصابتها في الرقبة، فجرى إدخالها غرفة العمليات لتنظيف الجرح ووقف النزيف. وقبل دخولها العملية، سألت زوجها عماد عن طفلتها، فحاول تجنّب الإجابة، لكنها أدركت الحقيقة قبل أن ينطق بها. تقول:

“قبل دخول العملية جاء زوجي وكان واضحا عليه آثار البكاء، فسألته عن هيا فقال لي هيا بخير انتبهي أنت لنفسك، فقلت له أنا عارفة أنها استشهدت، وطلبت أن يحضرها لي قبل دفنها لتوديعها، فظل صامتا ولم يرد عليّ.”

وحين أبلغها في اليوم التالي أن ابنتهما دفنت بالفعل دون أن تراها، واجهته بالسؤال: “لماذا لم تحضرها لي لأودّعها؟” أخبرتها إحدى قريباتها حينها أنه من الأفضل أن تبقى صورة ابنتها في مخيلتها كما كانت، لا كما خلّفتها الإصابة في وجهها.

قتلت هيا في الحادثة إلى جانب خمسة آخرين، بينهم زوجة صاحب المنزل المستهدف بالقصف الإسرائيلي ورضيعتها، وامرأه وابنيها من عائلة مصلح كانوا مستأجرين في البناية، فيما طال الدمار طابقين كاملين من البناية التي كانت تؤوي عائلات مستأجرة.

بعد خمسة أيام أمضتها سلافة في المستشفى، اضطر الأطباء إلى إغلاق جرحها المفتوح على عجل تحسبا لإخلاء المستشفى واستقبال مرضى من مجمع الشفاء الطبي الذي تلقت إدارته آنذاك أمرا من الاحتلال بإخلائه.

وبمساعدة إحدى المؤسسات، غادرت سلافة برفقة إحدى قريبات زوجها إلى مصر في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2023 لتلقي العلاج، فتنقّلت بين مستشفى العريش ومستشفى الإسماعيلية، ثم أقامت قرابة ثلاثة أشهر في مسكن مخصص للمرضى الفلسطينيين قبل أن تقرر العودة إلى غزة عشية شهر رمضان، مدفوعة بالقلق على ابنها منتصر الذي انقطع تواصله بها طوال فترة غيابها.

عند عودتها في مارس/آذار 2024، لم تجد سلافة الإجابة التي كانت تخشاها فحسب، بل واحدة أثقل، أبلغها زوجها أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت نجلهما منتصر بعد أن حاصرت حي الأمل أربعة أيام وأمرت سكانه بالإخلاء غربا، حيث أقامت قوات الاحتلال حاجز تفتيش بين المحكمة الشرعية وجامعة الأقصى في الطريق المؤدي إلى المواصي غرب خان يونس، واعتقل هناك.

تقول سلافة حسب المركز الفلسطيني لحقوق الانسان اليوم إنها منذ ذلك اليوم لا تعرف عن ابنها شيئا سوى أنه لا يزال رهن الاعتقال، وإن القلق على أحواله بات يلازمها إلى جانب حزنها على ابنتها: “قلقة على ابني منتصر المعتقل، كيف ينام، كيف يأكل.”

عادت الأسرة تدريجيا إلى إيقاع الحياة، وبدأ ابنها محمد العمل في محل لبيع العصائر مع أبناء عمومته غرب مواصي خان يونس، محاولا، مثل غيره من شبان قطاع غزة، أن يجد موطئ قدم في اقتصاد أنهكته الحرب. لكن صباح 13 يوليو 2024، بينما كانت سلافة تنشر الغسيل على سطح المنزل، سمعت ثلاثة انفجارات متتالية ناجمة عن قصف إسرائيلي استهدفت خيام نازحين قرب مكان عمل ابنها. وبعد نحو 45 دقيقة، جاءها من يخبرها أن محمد أصيب وهو يهرع لإسعاف الجرحى في القصف الأول قبل أن يصيبه الانفجار الثالث
حين وصلت الأم المكلومة إلى مستشفى ناصر، لم تتوقف السيارة عند قسم الاستقبال، بل واصلت طريقها مباشرة إلى المشرحة، حيث وجدت زوجها واقفا أمام كيس أبيض. ألقت بنفسها عليه، وفتحته لتجد جسد ابنها مثخنا بالجراح والشظايا. قالت له وهي تحتضن رأسه:

“كنت تتمنى الشهادة فنلتها، وتركتني لوحدي، اشتقت لأختك هيا، ستذهب عندها يا عين أمك، الملتقى الجنة بإذن الله”.

منذ ذلك اليوم، تعيش سلافة بين الفقد والانتظار. في مارس 2025، فرضت قوات الاحتلال قيودا صارمة على دخول المساعدات إلى غزة تسبّبت بانتشار المجاعة، وفي يونيو من العام نفسه أنذرت قوات الاحتلال سكان حي الأمل بالإخلاء مجددا، فنزحت الأسرة قسرا إلى شارع النص في مواصي خان يونس، حيث فتح زوجها بسطة لبيع الفلافل لتأمين احتياجات المعيشة.

ومع بداية سبتمبر عادت سلافة وأسرتها إلى شقتهم بعد أن ارتفع الحظر عن المنطقة، ليعود زوجها إلى التنقل أسبوعيا بين بسطته في شارع النص وبيته في حي الأمل، تاركا سلافة وحيدة معظم أيام الأسبوع بين جدران تحتفظ بذكرى أبنائها الخمسة: ابنتها التي كانت تكبر أمام عينيها لتصبح صديقتها، وابنها محمد الذي لم يتوان يوما عن إسعاف المصابين، ومنتصر الذي لا يزال خلف القضبان، وأحمد (31 عاما) ومعتصم (27 عاما) اللذين سافرا إلى تركيا من قبل العدوان، وبقي الأول فيها ولجأ الآخر إلى بلجيكا.

تحاول سلافة أن تخفف عن نفسها بالقول إن طفلتها وابنها الشهيدين “يعيشان حياة أفضل من حياتنا”، لكنها تقر بأن العودة إلى حياة طبيعية باتت أمرا بالغ الصعوبة. بصوت متهدج تقول:

“مازال الحزن يتملكني، ولكن أقول لنفسي الشهداء يعيشون حياة أفضل من حياتنا، إلا أنني قلقة على ابني منتصر المعتقل كيف ينام؟ كيف يأكل؟ من الصعب عليّ أن أعود إلى ممارسة حياتي بشكل طبيعي. الحرب سرقت منا أجمل ما نملك وتركت روحي تتألم من جروح لا تشفى مع الأيام.”

تبقى أسرة سلافة، مثل آلاف العائلات الغزية الاخرى، موزعة بين شهيدين، ومعتقل، ومهاجرين خارج الوطن، وزوجين يعيشان ضنك النزوح والحصار في ظل حرب إبادة جماعية مستمرة، ولسان حالها متى يلتم شملنا على من بقي من أسرتنا من جديد.