المشهد اليوم - ما هي "متلازمة الثروة المفاجئة" التي تطارد الأثرياء الجدد؟
قد يبدو تحقيق الثراء بين ليلة وضحاها حلماً مغرياً لا يُقاوم بالنسبة للكثيرين، إلا أن دخول نادي الأغنياء بصورة مفاجئة، يعتبر أكثر تعقيداً مما يتوقعه البعض، فالحصول على الكثير من المال بشكل غير منتظر، يحمل معه تحديات وضغوطاً نفسية قد لا يكون أصحابها مستعدين لمواجهتها، وهو ما اكتشفه عدد من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام ثروة طائلة.
وبحسب تقرير أعدته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن تحقيق الثروات الطائلة لم يعد حكراً على ورثة الإمبراطوريات المالية أو كبار المستثمرين، حيث تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي بعشرات المؤسسين والموظفين في قطاع التكنولوجيا نحو ثروات ضخمة، وفي بعض الحالات بين ليلة وضحاها.
ففي بعض شركات الذكاء الاصطناعي، يتقاضى حتى الموظفون خارج الإدارة العليا، مبالغ مالية كفيلة بتغيير مجرى حياتهم، حيث تتوقع جهات رصد السوق أن الطرح العام الأولي لشركة Anthropic وحدها قد يخلق سبعة مليارديرات من بين مؤسسيها، إلى جانب نحو 50 شخصاً تتراوح ثرواتهم بين 100 و500 مليون دولار، و1200 شخص تتراوح ثرواتهم بين 10 و100 مليون دولار، وذلك بناءً على هيكل ملكية الشركة.
ومع احتساب الإدراج الضخم الذي شهدته شركة SpaceXفي يونيو الماضي، إلى جانب الطرح العام المحتمل لشركة OpenAI مستقبلاً، فإن موجة الإدراجات في شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، قد تخلق عدداً أكبر من أصحاب الثروات الضخمة بين الموظفين والمساهمين الأوائل، حيث يقول رائد الأعمال سام بار، إن حجم الثروات التي تتشكل داخل هذه الشركات مذهل، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يقتربون من تحقيق صافي ثروات يتجاوز 100 مليون دولار لمجرد كونهم موظفين في تلك الشركات.
متلازمة الثروة المفاجئة
ولكن الانتقال المفاجئ من حياة مهنية اعتيادية إلى عالم الملايين والمليارات، قد يضع صاحبه أمام تحديات نفسية واجتماعية غير متوقعة، في ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة الثروة المفاجئة" أو SWS.
ويُعد عامل السرعة أحد الأسباب التي قد تفسر انتشار هذه الظاهرة، إذ تقلصت الفترة الزمنية الفاصلة بين تأسيس شركة ما وتحقيق ثروات ضخمة جراء بيع هذه الشركة، ما يمنح المؤسسين وقتاً أقل للتكيف مع النمو السريع في ثرواتهم.
وقد برزت ظاهرة "متلازمة الثروة المفاجئة" بشكل أكبر منذ طفرة العملات المشفرة، إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تخلق عدداً أكبر من أصحاب الثروات الكبيرة، في فترة زمنية قصيرة مقارنة بالعديد من فترات الازدهار السابقة، ما يجعل مؤسسي شركات التكنولوجيا وموظفيها من الفئات الأكثر تعرضاً للإصابة بهذه المتلازمة.
ما المواقف التي تفجر صدمة SWS؟
"متلازمة الثروة المفاجئة" أو SWS، هي مصطلح صاغه عالم النفس ستيفن غولدبارت في أواخر التسعينيات، لوصف مجموعة من التحديات النفسية التي قد يواجهها الشخص عند اكتساب ثروة أو شهرة كبيرة بصورة مفاجئة. وقد تظهر هذه المتلازمة في شكل مشاعر من التوتر والقلق والعزلة والشعور بالذنب والارتباك، إلى جانب صعوبة الثقة بالآخرين، وذلك في سياق محاولة التكيّف مع التحول المفاجئ إلى حياة مالية أكثر رفاهية.
وهناك مواقف متنوعة قد تؤدي إلى ظهور هذه المتلازمة، وتتميز جميعها بزيادة مفاجئة وغير متوقعة في الموارد المالية، مثل الفوز باليانصيب، تداول العملات المشفرة، الحصول على ميراث، الفوز بالمراهنات، النجاح السريع في وادي السيليكون.
وفي الوقت الراهن، تقتصر "متلازمة الثروة المفاجئة" على فئة قليلة من الأثرياء، غير أن بعض المفكرين، يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يعمم هذا السيناريو على عدد أكبر من الأشخاص.
من يساعد الأثرياء الجدد؟
ومع تنامي أعداد المستفيدين من صفقات الاستحواذ والطروحات العامة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، برزت بصورة أكبر خدمات استشارية متخصصة تساعد أصحاب الثروات المفاجئة على التعامل مع التحديات التي ترافق الانتقال السريع إلى مستويات هائلة من الثراء، أو ما يمكن وصفه بـ "مشاكل الترف". وتشمل هذه الخدمات المدربين والمعالجين النفسيين، إلى جانب مجتمعات توفر مساحة للأشخاص الذين جمعوا ثروات تفوق احتياجاتهم المالية بكثير للتحدث بحرية عن تجاربهم ومخاوفهم والتحديات التي يواجهونها، وهي جوانب لا يغطيها بالضرورة مستشارو إدارة الثروات التقليديون.
كسر حاجز الصمت
وبحسب شيري والينغ، الأخصائية النفسية السريرية المتخصصة في دعم مؤسسي الشركات، فقد شهدت النقاشات المتعلقة بالصحة النفسية والرفاهية بين رواد الأعمال تحولاً ملحوظاً، مع تزايد الانفتاح والاستعداد للحديث عن هذه القضايا.
وتقول والينغ إنها تعاملت مع عدد كبير من العملاء الذين حققوا كل ما خططوا له، ووصلوا إلى "صفقة الخروج الكبرى" التي كانوا يسعون إليها، ولكنهم وجدوا أنفسهم رغم ذلك في حالة من التعاسة والضياع، مشيرة إلى أن هناك قصصاً دراميةً للغاية، عن أشخاص راودتهم أفكار انتحارية، وشعروا بضياع وضلال شديدين بعد بيع شركاتهم.
ظاهرة نفسية معقدة
وتقول دكتورة علم النفس في جامعة بيروت العربية هيلغا علاء الدين، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن "متلازمة الثروة المفاجئة" أو SWS تُمثل إحدى أكثر الظواهر النفسية تعقيداً في العصر الحديث، فهي تضع الفرد أمام اختلال هيكلي بين بيئته المالية الجديدة والمنظومة النفسية التي تشكلت لديه عبر سنوات طويلة، وفي حالة موظفي وادي السيليكون وشركات الذكاء الاصطناعي، قد يجد المهندس أو الموظف نفسه فجأة أمام ثروة بملايين الدولارات ما يحتم عليه الانتقال من نمط حياة الطبقة المتوسطة إلى نمط حياة أصحاب الملايين، حيث أن هذا التحول الخاطف لا يمنح العقل البشري المساحة الزمنية الكافية، لبناء آليات أو مهارات التكيّف مع الوضع الجديد، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الصدمة التكيفية".
أعراض متلازمة SWS
وبحسب علاء الدين، فإن أعراض"متلازمة الثروة المفاجئة"، تتجلى في سلوكيات متعددة، أبرزها الشعور بالذنب تجاه الأصدقاء والأقارب الذين لم يحظوا بفرصة مماثلة، إضافة إلى قلق حاد ونقص في الثقة بالمحيط الاجتماعي، حيث يبدأ الفرد بالتساؤل عما إذا كانت العلاقات الجديدة قائمة على شخصه أم على أرصدته المالية في البنك، مما يدفع به إلى العزلة للهروب من استغلال المحيطين، علاوة على ذلك، يفقد الكثير من المصابين بـ "متلازمة الثروة المفاجئة" المعنى والمحرك الأساسي للعمل، فعندما يحقق الفرد هدفه المالي الأقصى بسرعة قياسية، يصطدم بفراغ وجودي حاد، إذ تنهار غايته اليومية ويتحول الطموح المهني إلى شعور بالضياع وصولاً إلى ظهور بعض الأفكار الدرامية مثل الانتحار.
وتشدد علاء الدين، على أن أعراض "متلازمة الثروة المفاجئة" قد تظهر بصورة أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين ترتبط هويتهم الشخصية بشكل وثيق بالعمل والإنجاز، فالشخص الذي اعتاد أن يقيس قيمته من خلال نمو شركته أو عدد موظفيها أو حجم إيراداتها، قد يجد نفسه فجأة أمام سؤال بسيط ولكن عميق، وهو "ماذا أفعل الآن بعدما حققت الهدف الذي كنت أعمل من أجله؟"، مشيرة إلى أن هاجس الحفاظ على الثروة وتنميتها يلعب أيضاً دوراً كبيراً في تعزيز أعراض "متلازمة الثروة المفاجئة"، فكلما كبرت الثروة أصبح موضوع الحفاظ عليها أكثر إثارة للقلق لاسيما بالنسبة لأشخاص لا يملكون خبرة سابقة في هذا المجال.
ما الحل؟
وتعتبر علاء الدين، أن التعامل الصحي مع "متلازمة الثروة المفاجئة" يبدأ من تجاوز النظرة التقليدية التي تتعامل مع الثراء، باعتباره حلاً نهائياً للمشكلات، والاعتراف في المقابل بأن الانتقال المفاجئ إلى مستويات مرتفعة من الثروة، يحتاج إلى وقت للتكيّف معه، تماماً كما هو الحال مع أي تحول كبير في حياة الإنسان، ومن هنا فإن توفير الدعم النفسي إلى جانب التخطيط المالي، يمكن أن يساعد الأفراد على التعامل بصورة أكثر توازناً مع هذه المرحلة الجديدة، مشددة على أن الاستعانة بأخصائي نفسي أو مدرب متخصص، لا تعني بالضرورة وجود مشكلة مرضية، حيث أن هذا الإجراء يمكن أن يكون وسيلة لإعادة بناء الهوية الشخصية بما يتناسب مع الواقع الجديد للفرد.
ما بعد بناء الثروة
من جهته يقول المستشار في إدارة الثروات والسلوك المالي مازن حداد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن امتلاك ملايين أو مليارات الدولارات بشكل مفاجئ، يخلق تحدياً مختلفاً تماماً عن مجرد زيادة الدخل، لأن الشخص هنا ينتقل من مرحلة إدارة حياته المالية إلى مرحلة يصبح فيها مطالباً باتخاذ قرارات تتعلق بثروة قد تستمر لأجيال، لافتاً إلى أن الكثير من أصحاب الثروات الجديدة، اكتشفوا أن بناء الثروة كان أسهل عليهم من التعامل معها بعد تحقيقها.
ويوضح حداد،أن مؤسسي شركات التكنولوجيا يمثلون حالة خاصة، لأن الثروة التي يحصلون عليها غالباً لا تكون أموالاً نقدية موجودة بالكامل في حساباتهم، وإنما حصصاً في شركات وأسهم وأصولاً مرتبطة بقيمة الشركة وسعرها في السوق، وهذا ما قد يجعلهم يشعرون بالارتباك أمام أرقام ضخمة تظهر أمامهم فجأة، من دون أن يمتلكوا الخبرة اللازمة لإدارتها.
الوجه الآخر للثروة
ويكشف حداد أن التغير المالي السريع قد يفرض أيضاً ضغوطاً اجتماعية وعائلية، فمع حصول فرد ما على ثروة كبيرة قد تتزايد طلبات أفراد عائلته وأصدقائه، الأمر الذي قد يضع صاحب الثروة أمام ضغوط متواصلة بشأن كيفية الاستجابة للمطالب، ومع مرور الوقت وكثرة الطلبات، تتحول العلاقات المقربة إلى مصدر دائم للتوتر والإنهاك النفسي، خصوصاً عندما تصبح تلبية هذه الالتزامات جزءاً ثابتاً من حياته اليومية.
الثروة تحتاج إلى إدارة
ويرى حداد أن وجود فريق متكامل لإدارة الثروة، يمكن أن يساعد في تخفيف جزء من هذه الضغوط، شرط ألا يقتصر دور هذا الفريق على إدارة الاستثمارات، بل أن يشمل أيضاً التخطيط المالي والضريبي وتنظيم العلاقة مع أفراد العائلة ووضع قواعد واضحة لاتخاذ القرارات، فالثروة الكبيرة لا تحتاج فقط إلى من يحافظ عليها وينميها، بل إلى منظومة تساعد صاحبها على التعامل مع المسؤوليات والقرارات التي تأتي معها، وتمنع تحوّل المال إلى مصدر دائم للنزاعات والضغوط، لاسيما مع اتساع دائرة الأشخاص المرتبطين بهذه الثروة.
المصدر : سكاي نيوز عربية

