المشهد اليوم - لا تقاس أهمية التدفقات المالية القادمة من الخارج بحجمها فقط، وإنما باستمراريتها وقدرتها على توفير النقد الأجنبي وتعزيز منعة الاقتصاد ودعم قدرته على مواجهة الصدمات، ومن هذه الزاوية، تكتسب حوالات الأردنيين العاملين في الخارج أهمية تتجاوز كونها موردا لدخل الأسر، لتصبح أحد التدفقات التي تساند القطاع الخارجي، وتحرك الاستهلاك والادخار والاستثمار، وتدعم في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي.
وأكد محافظ البنك المركزي الدكتور عادل الشركس، في حديث لوكالة الأنباء القطرية اليوم أن متانة الاقتصاد الوطني لا تستند إلى مصدر واحد من مصادر النقد الأجنبي، وإنما إلى تكامل مجموعة من المؤشرات والتدفقات، مشيرا إلى أن قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات ترتبط بمرونة قطاعه الخارجي، وقوة جهازه المصرفي، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية، والسياسة النقدية.
وبين الشركس أن الاقتصاد الأردني أظهر خلال السنوات الأخيرة قدرة ملحوظة على التكيف مع التطورات الإقليمية والدولية، لافتا إلى أن استمرار تدفقات العملات الأجنبية من مصادر متنوعة يعزز هوامش الأمان ويدعم قدرة الاقتصاد على المحافظة على استقراره.
وفي الأردن، تحتل حوالات العاملين المرتبة الثالثة بين مصادر العملات الأجنبية في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، بعد الصادرات والدخل السياحي، بما يمنحها وزنا واضحا في تمويل جزء من المدفوعات الخارجية وتوفير العملات الأجنبية.
وأشار إلى أن قوة القطاع الخارجي لا تقاس بأداء تدفق منفرد، وإنما بدرجة تنوع مصادره وقدرته على الاستمرار، موضحا أن الحوالات تمثل، إلى جانب الصادرات والدخل السياحي والاستثمار، جزءا من شبكة أوسع توفر للنشاط الاقتصادي موارد من الخارج.
ولا يتوقف أثر الحوالات عند الأسرة المستفيدة؛ فهي عندما تنفق على الغذاء والتعليم والصحة والسكن تدعم الطلب المحلي، وعندما تدخر تضيف إلى الودائع والموارد المتاحة للجهاز المالي، وعندما توجه إلى أصل أو مشروع فإنها تساهم في تكوين رأس المال.
وأوضح الشركس أن حشد المدخرات وتوجيهها إلى الاستخدامات الاقتصادية يمثلان جزءا مهما من دور القطاع المصرفي، لافتا إلى أهمية قدرة البنوك على تعبئة الموارد وتوفير التمويل للنشاط الاقتصادي، بما يسمح بانتقال جزء من التدفقات المالية الخارجية إلى قنوات أكثر إنتاجية.
وبلغت حوالات العاملين الواردة إلى المملكة نحو 4.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 4.3 مليار دولار في 2024، بارتفاع نسبته 4.5 بالمئة، وبما يعادل نحو 7.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويعكس هذا الحجم أهمية الحوالات قياسا بحجم الاقتصاد، لكنه يعكس كذلك استمرارية ارتباط دخل الأردنيين في الخارج بالاقتصاد المحلي، سواء عبر الإنفاق الأسري أو الادخار أو تمويل بعض الاحتياجات والاستثمارات.
واستمر هذا الزخم خلال العام الحالي؛ إذ بلغت الحوالات الواردة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 2.9664 مليار دولار، بارتفاع 14.1 في المئة عن الفترة نفسها من 2025، بينما بلغت حوالات تموز وحده 470.2 مليون دولار، بزيادة 13.1 في المئة على أساس سنوي.
وأكد الشركس أن البنك المركزي يواصل متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي، موضحا أن استمرار قوة المؤشرات الخارجية يشكل أحد عناصر المرونة التي تساعد الاقتصاد على التعامل مع التغيرات.
وتتأثر الحوالات في العادة بدخول العاملين في الخارج، وأوضاع أسواق العمل في الدول المضيفة، وأسعار الصرف، وتوقيت التحويلات والقنوات المستخدمة، إلا أن استمرار نموها في الفترة الحالية يقدم مؤشرا على بقاء دخل الأردنيين في الخارج، قادرا على توليد تدفقات مستقرة إلى المملكة.
ولفت الشركس إلى أن تنوع الأسواق يقلل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، ويعكس في الوقت ذاته انتشار الكفاءات والعمالة الأردنية في بيئات اقتصادية مختلفة، معتبرا أن هذا الانتشار يمنح تدفقات الحوالات قاعدة أوسع وأكثر قدرة على الاستمرار.
وكشف في هذا السياق أن التغيرات المتسارعة في سوق العمل، وفي مقدمتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تفرض تطوير المهارات ورفع تنافسية الموارد البشرية، مؤكدا أن الاستثمار في رأس المال البشري هو استثمار في القدرة المستقبلية للاقتصاد على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومن هنا، فإن الحفاظ على نمو الحوالات لا يرتبط فقط بآليات تحويل الأموال، وإنما يبدأ من قدرة الأردنيين على الوصول إلى وظائف مستدامة ذات قيمة مضافة، وعلى مواصلة المنافسة في أسواق العمل المتغيرة.
وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت حوالات العاملين الصادرة من المملكة بنسبة 14.2 في المئة خلال 2025 لتبلغ نحو 1.8 مليار دولار، بينما بلغت خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 1.1 مليار دولار، بارتفاع 14.4 في المئة.
واستحوذت مصر على 42.1 بالمئة من إجمالي الحوالات الصادرة خلال الأشهر السبعة الأولى، تلتها بنغلاديش 11.8 في المئة، ثم الفلبين 4.8 في المئة، واليمن 3.9 في المئة، بينما شكلت الدول الأخرى 37.4 في المئة.
وأوضح الشركس أن قراءة حركة الحوالات تتطلب النظر إلى التدفقات في الاتجاهين؛ لأن الأردن يستقبل تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج، وفي الوقت نفسه يشهد تحويلات صادرة مرتبطة بدخول العمالة غير الأردنية.
وبلغ صافي حوالات العاملين خلال عام 2025 نحو 2.7 مليار دولار، بينما بلغ خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 1.8 مليار دولار، وهو المؤشر الذي يعطي صورة أكثر اكتمالا عن الأثر الصافي لهذه التدفقات.
وتتزايد أهمية البيانات كلما ارتفعت قيمة الحوالات وتنوعت مصادرها، ويدرج البنك المركزي إحصاءات الحوالات ضمن ميزان المدفوعات، وقد عمل على تطوير منهجية الاحتساب بما يوفر تفاصيل أكبر حول مصادر الحوالات واتجاهاتها وتوزيعها الجغرافي.
وشدد الشركس على أن تحسين جودة البيانات المالية والرقمية لا يخدم الجانب الإحصائي فقط، بل يساعد كذلك على فهم حركة الأموال وتحسين الإشراف وتعزيز الاستقرار المالي، لافتا إلى أن التطور في التكنولوجيا المالية يفرض في المقابل مواصلة تطوير الأطر الرقابية وإدارة المخاطر والأمن السيبراني، وتتسق هذه الرؤية مع تأكيده المتكرر على أهمية التحول الرقمي وتطوير بيئة مالية أكثر كفاءة وأمانا.
ويمنح هذا التطور صانع القرار قدرة أكبر على تتبع التحولات في أسواق العمل ومصادر التدفقات، كما يساعد المؤسسات المالية على تطوير خدمات أكثر ملاءمة للمغتربين والأسر المستفيدة.
وتحتاج علاقة الحوالات بالاحتياطيات الأجنبية إلى قراءة دقيقة؛ فالاحتياطيات لا تتحدد بتدفق واحد، وإنما تتأثر بمجموع حركة العملات الأجنبية والحساب الجاري والحساب المالي والسياسة النقدية وغيرها من العوامل.
وبلغت الاحتياطيات الأجنبية نحو 28.4 مليار دولار في نهاية أغسطس 2026، وهي مستويات تكفي لتغطية مستوردات المملكة من السلع والخدمات لنحو 9.2 شهر.
كما أكد أن الاستقرار النقدي يمثل الأساس الذي تتحرك ضمنه السياسة النقدية، قائلا: إن "هدف البنك المركزي الذي لا يحيد عنه هو الحفاظ على الاستقرار النقدي"، موضحا أن هذا الهدف يستند إلى مجموعة من المقومات، في مقدمتها قوة الاحتياطيات الأجنبية وسلامة القطاع المصرفي واستقرار الأسعار.
ومن هنا، فإن أهمية الحوالات تكمن في كونها تدفقا خارجيا متجددا يضاف إلى بقية مصادر النقد الأجنبي، ويساعد على اتساع قاعدة الموارد التي يستند إليها الاقتصاد.
وأوضح الشركس أن قوة القطاع المصرفي وقدرته على حشد المدخرات وتمويل النشاط الاقتصادي توفر قناة مهمة لتحويل جزء من الأموال الواردة إلى استخدامات أكثر استدامة، سواء عبر الادخار أو التمويل أو الاستثمار.
ولهذا، فإن تطوير المنتجات المالية المرتبطة بالادخار والاستثمار، وتحسين كفاءة التحويلات، وخفض تكلفتها، وتوسيع استخدام القنوات الرقمية، يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للحوالة من مجرد دخل محول إلى مورد يساهم في تكوين رأس المال.
وأشار إلى أن التحول الرقمي في الخدمات المالية يفتح المجال أمام خدمات أكثر كفاءة وسهولة وأمانا، مع ضرورة مواصلة بناء بيئة تنظيمية تحافظ على الاستقرار وتحمي المستهلك المالي.
وتبدو حوالات الأردنيين العاملين في الخارج أكثر من مجرد أموال تعود إلى الأسر؛ فهي نتيجة مباشرة لحضور رأس المال البشري الأردني في الأسواق الخارجية، ومصدر متجدد للنقد الأجنبي، وقناة تربط دخل المغترب بالاقتصاد الوطني.
ووصف الشركس مرونة الاقتصاد الأردني بأنها نتاج تضافر عناصر عدة، مؤكدا أن قوة القطاع الخارجي والاحتياطيات والجهاز المصرفي والسياسة النقدية تعمل مجتمعة على تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات.
وبذلك، فإن الحوالة تبدأ من فرصة عمل في الخارج، لكنها لا تنتهي عند باب الأسرة؛ إذ يمكن أن تتحول إلى إنفاق يدعم السوق، أو ادخار يعزز الموارد المالية، أو استثمار يضيف إلى رأس المال، لتبقى في جميع هذه الحالات أحد الشرايين التي تصل الأردن باقتصاد العالم.

