عاجل
المشهد اليوم ينقل لكم الخبر لحظة بلحظة

العقبة في عين الملك ..وولي العهد يحمل رؤيتها الى المستقبل

العقبة في عين الملك ..وولي العهد يحمل رؤيتها الى المستقبل

العقبة في عين الملك ..وولي العهد يحمل رؤيتها الى المستقبل

المشهد اليوم - المشهد اليوم 16 اب - العقبة - كتب محرر الشؤون المحلية - ليست العقبة مدينةً على البحر فحسب، ولا شرفةً زرقاء تطل منها المملكة على العالم، إنها قصة أردنية تتسع كلما اتسع الأفق، ومدينة تتكئ على التاريخ بقدر ما تستشرف المستقبل، حتى غدت في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني أحد أبرز النماذج الأردنية التي تتجاور فيها السياحة مع الاستثمار، والاقتصاد مع الثقافة، والبحر مع الصحراء، والماضي العريق مع طموح الدولة الذي لا ينضب.

وفي قلب هذه الحكاية، يبرز الاهتمام الملكي بالعقبة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية التي أعادت رسم صورة المدينة وموقعها على الخريطة السياحية والاقتصادية الإقليمية والدولية، اهتمامٌ، لم يتوقف عند إطلاق المشاريع، وإنما امتد إلى متابعة تفاصيل التنمية، وتعزيز مكانة المدينة بوصفها مركزاً إقليمياً للسياحة والاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والتنمية الشاملة.

ما تشهده العقبة من زخم في العمل والازدهار اليوم، إنما يستند إلى رؤية جلالة الملك ومتابعة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، حيث اختصر إطلاق منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة قبل أكثر من عقدين، مسافة المستقبل، وأخذت المدينة تشق طريقاً مختلفاً، فلم تعد السياحة فيها نشاطاً موسمياً محدوداً، بل تحولت إلى منظومة متكاملة، تتداخل فيها الفنادق والمنتجعات والمراسي والمطاعم والأنشطة البحرية والمؤتمرات والمغامرات والسياحة البيئية والثقافية، ضمن رؤية جعلت من العقبة بوابة أردنية مفتوحة على ثلاثة أقاليم وقارات مجتمعة.

وتكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته المدينة، إذ ارتفع عدد الفنادق في العقبة من 43 فندقاً بسعة تقارب 2300 غرفة إلى 101 فندق توفر أكثر من 6500 غرفة، فيما استقبلت العقبة نحو مليوني سائح خلال عام 2024 فقط، من بينهم نحو مليون سائح مبيت، مع تنوع متزايد في المنتجات السياحية.

وهنا تكمن خصوصية العقبة، فهي لا تبيع للزائر مشهداً واحداً فقط، بل تقدم له فسيفساء من التجارب.. فالبحر الأحمر بما يحمله من شعاب مرجانية وتنوع أحيائي، والمدينة بما تختزنه من تاريخ، والموانئ والمراسي بما تمنحه من حركة وحياة، وقرب وادي رم والبتراء منها، كلها تصنع معاً مثلثاً سياحياً تتكامل أضلاعه بدلاً من أن تتنافس.

فالسائح الذي يبدأ يومه بين زرقة البحر وألوان الشعاب المرجانية يستطيع أن ينهيه تحت سماء وادي رم، أو يواصل رحلته إلى البتراء، لتصبح العقبة بذلك نقطة انطلاق لا مجرد محطة وصول.

لقد أدركت الرؤية الأردنية للعقبة مبكراً أن البحر ليس منظراً طبيعياً فقط، وإنما ثروة اقتصادية وسياحية ينبغي استثمارها دون التفريط ببيئتها، ومن هنا، برزت السياحة البحرية والرياضات المائية والغوص والرحلات بالقوارب واليخوت، إلى جانب الاستثمار في الواجهات البحرية والمراسي والمناطق السياحية المتكاملة، بما منح العقبة هوية سياحية قادرة على المنافسة واستقطاب شرائح متعددة من الزوار.

ولم يعد المشهد السياحي في العقبة منفصلاً عن محيطه، فمدينة البحر تتصل بالصحراء في وادي رم، وبالحضارة النبطية في البتراء، وبالمواقع الدينية والثقافية في جنوب المملكة، لتتكون أمام السائح رحلة أردنية متكاملة تختصر جغرافيا متنوعة في مساحة زمنية قصيرة!

وإذا كانت العقبة قد تغيرت في ملامحها، فإن الأهم أن التغيير لم يكن منفصلاً عن رؤية سياسية وتنموية أوسع،
فجلالة الملك عبدالله الثاني ينظر إلى العقبة باعتبارها أكثر من مدينة سياحية، إنها نموذج لما يمكن أن تكون عليه المدن الأردنية حين تتكامل البنية التحتية مع الاستثمار، وحين يصبح الموقع الجغرافي رافعةً للتنمية لا مجرد حدود على الخريطة.

وفي زيارة جلالته إلى العقبة عام 2024، أكد الملك أن المدينة تعكس صورة الأردن الطموح، في رسالة تختصر فلسفة التعامل مع العقبة: مدينة تحمل صورة المملكة إلى الخارج، وتقدم في الوقت ذاته نموذجاً لما تريد الدولة أن تكون عليه في الداخل.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم المتابعة الملكية للمشاريع في العقبة باعتبارها جزءاً من مشروع وطني أوسع، لا مجرد اهتمام بمنطقة جغرافية محددة، فالعقبة هي الميناء الوحيد للأردن، وهي نافذته البحرية، ومركز مهم للتجارة والخدمات اللوجستية، وفي الوقت ذاته، فهي إحدى أهم بواباته السياحية، ولذلك فإن نموها السياحي ينعكس على قطاعات النقل والاستثمار والخدمات والتشغيل والصناعات والاقتصاد المحلي.

أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فقد أصبح حضوره في المشهد التنموي للعقبة امتداداً عملياً لهذا الاهتمام، مع تركيز واضح على الإنسان والشباب والبيئة وجودة الحياة.

وفي لقاء جمع سموه مع شباب وشابات من محافظة العقبة في كانون الثاني 2026، جرى الحديث عن الحركة السياحية وتطلعات العام الجديد، وعن أهمية تحسين الخدمات الإلكترونية والحفاظ على نظافة الأماكن العامة والمواقع السياحية، حيث أكد سموه أن الأحداث العالمية أثرت في الحركة السياحية، معرباً عن تطلعه إلى أن تشهد العقبة حركة سياحية أفضل خلال العام.

وهنا تتجاوز الرؤية مفهوم السياحة التقليدي، فالمدينة السياحية لا تُقاس بعدد الفنادق وحده، ولا بعدد الزوار وحده، وإنما بما تتركه من انطباع في عين الزائر، وما توفره من حياة كريمة وفرص عمل لأبنائها، وما تحافظ عليه من بيئة، وما تمنحه من خدمات عصرية،
لذلك فإن اهتمام ولي العهد بالشباب والبيئة والخدمات ليس بعيداً عن السياحة، بل يقع في قلبها،فالسائح الذي يبحث عن مدينة جميلة يريد أيضاً مدينة نظيفة، منظمة، رقمية، آمنة، نابضة بالحياة، وقادرة على تقديم تجربة لا تنتهي بانتهاء الرحلة.

وتتضح أهمية العقبة أكثر عند وضعها في سياق رؤية التحديث الاقتصادي؛

وتتضح أهمية العقبة أكثر عند وضعها في سياق رؤية التحديث الاقتصادي، إذ لم تعد المدينة تُقرأ باعتبارها منتجعاً سياحياً، بل باعتبارها نموذجاً للتنمية متعددة القطاعات، حيث أكد رئيس الوزراء في اجتماع حكومي عقد في العقبة أن المدينة ستكون منطلقاً لمشاريع استراتيجية وطنية، من بينها مشروع الناقل الوطني للمياه ومشاريع السكك الوطنية، بالتوازي مع تطوير الموانئ والمصانع وتوسعة المشاريع السياحية، كما وصف العقبة بأنها مركز إقليمي رائد في السياحة والتنمية والاستثمار والتقدم التكنولوجي.

وهذا التداخل بين السياحة والبنية التحتية والنقل والاستثمار يمنح العقبة ميزة لا تتوافر بسهولة لمدن سياحية أخرى، فالمدينة لا تعيش على السياحة، وإنما تستخدم السياحة إحدى قاطرات التنمية، في الوقت الذي تسند فيه القطاعات الاقتصادية الأخرى قدرتها على النمو السياحي.

إن الزائر للعقبة، لا يأتي إلى مدينة منفردة، بل يدخل من خلالها إلى تجربة أردنية واسعة، تتعانق فيها الجغرافيا والتاريخ والطبيعة والثقافة.

في المحصلة، فإن قصة العقبة ليست قصة مدينة اكتشفت السياحة، بل قصة دولة أعادت اكتشاف قيمة موقعها الجغرافي والتاريخي والطبيعي.. فمن مدينة ساحلية محدودة الامتداد، أخذت العقبة تتحول إلى مركز إقليمي تتقاطع عنده طرق التجارة والسياحة والاستثمار، وإلى واجهة أردنية تختصر الكثير من طموحات المملكة في التنمية والتحديث والانفتاح على العالم.
ولعل جوهر الرؤية الملكية للعقبة يكمن في أنها لم تتعامل معها باعتبارها قطعة من الأرض بين البحر والحدود، وإنما باعتبارها فرصة وطنية مفتوحة على المستقبل، فرصة تتسع للاستثمار كما تتسع للسياحة، وللشباب كما تتسع للزائر، وللتكنولوجيا كما تتسع للتراث.

وهكذا تمضي العقبة، ببحرها الذي لا يهدأ، وشمسها التي لا تخون موعدها، ورملها الذي يحمل ذاكرة المكان، لتقول إن المدن العظيمة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، إنما تصنعها "الرؤية" حين تجد في الجغرافيا فرصة، وفي الإنسان طاقة، وفي المستقبل موعداً يستحق أن نصل إليه.

العقبة اليوم.. ليست نهاية الطريق إلى الأردن، بل هي إحدى بدايات الطريق إلى الأردن الذي يريد أن يكون!